الاضطراب الأمني
تستمر أحداث العنف والاضطراب المتنقل منذ واقعة بيروت، ضاربة في طريقها بقايا الاطمئنان، وبقايا السلم الأهلي. وهذه المرحلة الثانية في المسلسل الدموي الذي عرفه لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية تميزت المرحلة الأولى بالاغتيالات السياسية والتفجيرات، وها نحن ندخل في مرحلة العنف العلني والمسلّح، والذي يُشبه بدايات النزاع الداخلي والحرب الأهلية عام 1974/1975.
في بدايات النزاع الداخلي المسلّح في لبنان كان هناك فريقان يحملان السلاح: التنظيمات الفلسطينية، وحزب الكتائب. ثم مع تطورات الانقسام، تعددت الفئات، وتعددت الأسلحة، بحيث صار لكل حي ولكل شارع أمنه الخاص. وكانت القضية الأولى التي تفرعت عليها سائر القضايا بعد العام 1972، المقاومة الفلسطينية ومصائرها، وعلائقها بالدولة اللبنانية بيد أن الغزو الإسرائيلي أخرج التنظيمات الفلسطينية من على الجبهة، ما ألغى الأسباب المستجدة للنزاع اللبناني، الذي ما انتهى إلا بعد انعقاد الطائف عام 1989/1990. وهكذا، فإن الانقسامات الداخلية، والتي تبدأ بسبب معروف أو رئيسي، سرعان ما تتعدد أسباب استمرارها وتفاقمها. وهذا هو الأمر المثير للقلق الشديد لدى كهول اللبنانيين وشيوخهم، ممن عَرَفوا وخبروا النزاع والانقسام، وشهدوا انهيار السلطة والمؤسسات، وتصاعد الاحقاد والاغتراب الطائفي والوطني والانساني.
والاضطراب المستمر منذ مدة في السياسة ثم في الأمن، والآن في المجتمع، يتعلق أيضاً كما في العام 1975 بالمقاومة وما تراه ضرورياً لها من أمن ـ وخصومها السياسيون الذين يرى فريق منهم انه ما عاد هناك داعٍ للمقاومة بعد العام 2000، وأن الدولة اللبنانية هي التي ينبغي لها أن تتولى الأمر كله ـ كما يرى فريق آخر أن "أمن المقاومة" لا يقتضي هذا الاستنفار الشديد، والتربص بالسلاح، وتفلت العنف غير المحسوب والذي صار عنفاً طائفياً ومذهبياً.
وإذا كانت المرحلة السابقة المليئة بالاغتيالات والتفجيرات غامضة المعالم، ومثيرة للاشمئزاز لدى سائر المواطنين، فإن الخطير في المرحلة الجديدة أنها واضحة المعالم لجهة من يملك السلاح وقرار التفجير، وهي خطيرة أيضاً لأن هناك فريقاً أو أكثر يدخل فيها بحماسة، شأن فرقاء النزاع في مطلع الحرب الأهلية عام 1975.
لا يزال الأمر في أوله، ولا شك أن النجاح في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يمكن أن يشكّل سياقاً للتشاور والتهدئة بيد أن التصرفات على الأرض، ووسائل الإعلام، واندفاعات الحزبيين الخطابية، أوصلت الموضوع إلى حدود الانقسام بشأن انتماء لبنان ودوره ووظيفته. وهو انقسام فيه مبالغات كبيرة مثلما يحدث في الاستنفارات السياسية والصراعات على السلطة. على أن الأخطر فيه ـ رغم أنه خطير كله ـ أنه ينعكس في الوعي وعلى الأرض انقساماً بين المسلمين، وتُسارعُ لاستغلاله قوى وجهات تلوذ بهذا الطرف الداخلي أو ذاك.
لا بد من أجل الوطن والمواطنين وعلاقة فئات المسلمين بعضها ببعض، من نشر المبادرات في شتّى الاتجاهات لتجنّب المزيد من الانزلاق باتجاه الحرب الأهلية.
وهذا يقتضي لكي تكون هناك نتائج إيجابية، أن تراجع الأطراف بصدق وشفافية أطروحتها وسلوكاتها للسنوات الماضية وحتى اليوم. ولا شواهد على ذلك حتى الآن.