#dfp #adsense

الإعلام جزء من المشكلة لا الحل… والروحيون

حجم الخط

الإعلام جزء من المشكلة لا الحل… و"الروحيون" !

جاء في بيان لمديرية التوجيه في الجيش صدر امس ونشر اليوم في وسائل الاعلام "(…) يستمر بعض وسائل الإعلام في نقل الاخبار مضخمة ويغيّر حقيقتها مما يؤدي الى تضليل المواطنين واثارة الغرائز لديهم واشعال نار الفتنة والتحريض(…)". ودعا البيان "العسكريين الى وعي دقة المرحلة وعدم اعارة ما يتداوله بعض وسائل الإعلام والسياسيين آذاناً صاغية… لانه بعيد من الحقيقة ويهدف الى زج المؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية".

وامس ايضاً وفي عشاء اقامته السيدة بهية الحريري في مجدليون تكريما للنائبة الفلسطينية حنان عشراوي حضرها عدد من رجال الدين المسيحيين والمسلمين والإعلاميين والمثقفين، حمّل رجل دين مسيحي وآخر مسلم، والاثنان متألمان من استشراء المذهبية وانزلاق البلاد نحو الفتنة المذهبية والحرب الاهلية، الإعلام مسؤولية تسعير الاجواء وشحنها مستشهدين بحوادث كثيرة غطتها وسائل الاعلام او بثتها كان آخرها اقدام أحد المشايخ على تكفير الشهيد الاول للاستقلال الثاني، علماً انه قد يصبح مثله مثل الاستقلال الاول، لمساعدته جهات من غير دينه على بناء معابد لها او على اعادة بنائها بعدما هدّمتها حروب 1975 – 1990. هذا الكلام الإتهامي للإعلام بل المحمّل الاعلام مسؤولية الكوارث التي حلّت ولا تزال تحلّ بالبلاد الآن وقبل الآن اقل ما يقال فيه انه ظالم لان اصحابه لم يتعمّقوا في ما يتذمّرون منه بل اخذوا بالمظاهر وتالياً اصدروا الاحكام المبرمة. ولا ينفي هذا الموقف مسؤولية ما للإعلام عن الحال التعسة التي القى لبنان نفسه فيها مرات عدة من تاريخه اي منذ الاستقلال. لكنه يرفض حصر هذه المسؤولية به ويرفض في الوقت نفسه اي ادانة له وتالياً اي اجراء يمكن ان يتخذ في حقه بل وحتى اي مناشدات له رغم سموّ المرجعيات التي تطلقها علما ان تنفيذها لن يكون سهلاً او حتى متاحاً نظراً الى استمرار غياب الدولة الفعلية في لبنان او تغييبها. ذلك انه العنوان الخطأ في حين ان العنوان الصحيح او بالأحرى العناوين هي للسياسيين والاحزاب من كل الطوائف والمذاهب وهي لرجال الدين او لمعظمهم على تنوّع طوائفهم والمذاهب وهي للناس العاديين اي اللبنانيين الذين يكونون احياناً اسوأ من قادتهم السياسيين والدينيين او على الاقل بسوئهم.

لماذا الكلام الاتهامي للاعلام ظالم؟

لان المشكلة ليست فيه ومنه. علماً انه ليس بعيداً عنها على الاطلاق. لكنه جزء منها. وفاعليته تقتصر ربما على التاثير السلبي في الناس. ذلك انها لا تشمل بل لا يمكن ان تشمل الجهات السياسية والحزبية والدينية التي تغطيها سياسياً او التي ترعاها مادياً او التي تحميها. فضلاً عن الجهات الخارجية الاقليمية والدولية التي حوّلت الاعلام اللبناني، وعلى الاقل معظمه ساحة لمواجهاتها مع الداخل والخارج مثلما حوّلت لبنان ساحة للمواجهات نفسها وشعوبه ادوات فيها. وفي حال من هذا النوع يكون واهماً من يتوقع ان تؤدي مناشدة او موقف الى جعل الاعلام يقترب من الموضوعية ويراعي الوضع اللبناني الحساس والملتهب سواء صدرا عن مرجع كبير سياسي او عن جهة عسكرية. ويكون غير واقعي من يصدّق سياسياً او زعيماً او "قائدا" او مرجعية دينية يدعون الإعلام الى القيام بدوره الوطني. وذلك ليس تجنياً على احد. فمعظم وسائل الاعلام على تنوعها صار ملكاً لاطراف الحرب او المواجهة الدائرة في لبنان من لبنانيين وغير لبنانيين. اما القليل الموضوعي من هذه الوسائل فلا يمكن ان يُطلب منه الكثير، اولا لانه قليل. وثانياً، لان العاملين فيه ينتمون الى هذا الوطن "التعيس" بل الى طوائفه. ولهؤلاء عواطف وميول وانتماءات متنوعة ومخاوف وهواجس فضلاً عن انهم لا يعيشون في "معازل"، تماماً مثلهم مثل الجيش والمؤسسات الأمنية. وطبيعي في حال كهذه ان يتأثروا بما يجري وان يعكسوا تأثرهم في عملهم الاعلامي وان مع حد ادنى من الموضوعية. علما ان هذا الامر يصير اكثر صعوبة يوماً بعد يوم.

في اختصار ترددت معلومات عن التحضير لمؤتمر إعلامي او عن الإعلام هدفه اشعار اهله بمسؤوليتهم الوطنية وحضهم على ممارسة هذه المسؤولية من خلال ميثاق شرف قد يكون اعداده جارياً. ولا مانع من حيث المبدأ في مؤتمر كهذا. لكن على من يعملون له ان يحاذروا تجاهل مسؤولية الآخرين عن مآسي لبنان وحصرها بالاعلام ورجاله. وان يتخلوا عن فكرة عقده اذا كانت المعالجة ستكون سطحية مثلما كانت في القمة الروحية الاخيرة مع احترامنا العام لها ولمن دعا اليها. فالقمة الروحية انتهى مفعولها بعد قراءة الصديقين محمد السماك وحارس شهاب البيان الذي اصدرته بعد مناقشات "عميقة وطويلة ومستفيضة" لم تتجاوز الساعة. والمؤتمر الإعلامي سينتهي مفعوله بالسرعة نفسها. والسبب واحد، هو ان "القمم" الروحية جزء من المشكلة رغم نفيها ذلك. والمؤسسات الإعلامية جزء من المشكلة ايضاً في غالبيتها الساحقة. والحل عادة لا يأتي من الذين هم جزء من المشكلة بل يأتي إما من اصحاب المشكلة وإما من رعاتهم الكبار محليين كانوا أو خارجيين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل