إحتقار اللبنانيين ؟!
الأزمة مستمرة لا بل مفتوحة على مداها. فمن الحكومة المعطلة قبل عامين، الى تعطيل الاستحقاق الرئاسي لمدة ستة اشهر ونيف، وصولا الى تعطيل العهد بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان، وهو ما يعني استطرادا تعطيل اتفاق الدوحة وخصوصا ما يتعلق منه بمسائل الامن والحوار الوطني والاستراتيجيا الدفاعية.
كل ذلك طبعا عبر تعطيل تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" واي وحدة ترتجى وسط هذه الكراهيات المتسعة والضغائن المتعمقة والاطماع الشخصية الجامحة. ومنذ بدأت عملية التشكيل قدم الرئيس المكلف سلسلة من الصيغ والاقتراحات والتشكيلات التي واجهت الرفض المتدحرج والشروط التعجيزية المتسلسلة التي يدرجها الجنرال ميشال عون في خانة "الحقوق المكتسبة"، وهي حقوق تصل ربما الى درجة الافتراض انه لو حصل على نصف الحكومة فان ذلك لن يعوض خسارته الرئاسة !
❒ ❒ ❒
ربما هذا صحيح، فنحن في لبنان، وفي وسع الجنرال عون ان يمارس حريته في العمل السياسي الى اقصى الحدود ابتداء من تلك "الحقوق المكتسبة" التي يحددها كما يشاء وانتهاء بالتلويح بـ"الحكم الكامل". ولكن ذلك لا يلغي حرية الآخرين في ممارسة العمل السياسي الذي يريدون او في إبداء الرأي وحرية التعبير.
وعلى هذا الاساس، وقياسا بالعناصر الموضوعية لأزمة التشكيل وكذلك بالاقتراحات المقدمة وما قابلها ويقابلها من الشروط العونية التصاعدية التي باتت مكشوفة ومعروفة تماما، يمكن الافتراض ان القصة طويلة وان هذا العهد وضع عمداً على نارين:
نار الاشتباكات الامنية المتنقلة التي تبقي البلاد تحت وطأة القلق الدائم من انفجار حروب مذهبية وطائفية في ظل تدفق الاسلحة يميناً ويساراً.
ونار الازمة الحكومية التي تهدد بتفجير امني واسع في نهاية المطاف، وعندها يسقط البلد في المحظور.
في احسن الاحوال يمكن حكومة تصريف الاعمال الحالية ان تستمر في اعمالها المكتبية. تدفع الرواتب والمخصصات للناس وفي مقدم هؤلاء النواب الاكارم من غير شر، بينما يواصل الرئيسان ميشال سليمان وفؤاد السنيورة السعي لاخراج التشكيلة الحكومية من المأزق المفتعل الذي جعل اللبنانيين يلتفتون مرة اخرى نحو "ابن جلا وطلاّع الثنايا"، وان يعضوا على جراحهم في انتظار يوم الحساب عندما تُفتح الصناديق في الانتخابات النيابية المقبلة !
❒ ❒ ❒
لكن ما يجري منذ تعطيل الحكومة الى تعطيل التشكيل مرورا بالسعي السافر لتعطيل العهد، انما يشكل اهانة موصوفة للمواطنين في هذا البلد البائس واحتقارا كاملا لمعنى المسؤولية السياسية في اطار التمثيل العام. فالناس انتخبوا النواب للقيام بدورهم في عمل الدولة وادارتها والسهر على مصالحهم وحياتهم ولقمة عيالهم، لا للقيام بتعطيل الدولة وشل الادارات والمؤسسات وتضخيم الازمة الاقتصادية المعيشية الخانقة، واكثر من كل هذا لم ينتخبوهم لكي يقوم بعض هؤلاء باشعال نار الاضطرابات والفتن في اذيال هذا الشعب المسكين الذي يحاولون دائما خداعه بالطهرانية الزائفة.
وكما تعوّد الناس على الحكومة المعطلة يمكن ان يتعودوا على تعطيل التشكيل، فالمسألة هي بمثابة مكانك راوح. ولا يمكن الحديث عن اقرار قانون الانتخاب الذي اتفق عليه في الدوحة في ظل حكومة تصريف الاعمال إلا اذا كان المطلوب تمريغ الدستور بوحول الاستنساب من جديد، ولذلك فإن المعطلين هم الذين يسوقون البلاد الآن نحو انتخابات وفق القانون البغيض لعام 2000.
❒ ❒ ❒
ولقد دخل تموز، وفي تموز يغلي الماء في "الكوز". غداً يدخل آب اللهاب ثم تكرّ الاشهر مثل فرقة من "الحراميي". ومع الربيع تصل الانتخابات التي تُقرع طبولها ورهاناتها منذ الآن، وكل هذا يجعل من اي حكومة تشكَّل حكومة تصريف اعمال. لكن الطمع بالحصول على كل "الجبنة" فيها انما ينطلق من حرص على امتلاك حقائب "سيادية" واخرى خدماتية تساعد في شراء الناس بالتعمية المعنوية وبالزفت وما يشبه الزفت.
ولكن عن اي "سيادة" نتحدث اذا صح كلام المصدر البارز في "التيار الوطني الحر" عن وجود "وثيقة" بتوقيع الجامعة العربية في الدوحة تتحدث عن توسيع الحقائب "السيادية" الى خمس؟
رغم النفي الحكومي لهذا الكلام، فإن هذه "الوثيقة" إن وجدت ليست وثيقة بل فضيحة، لأن الجامعة صارت تقرر السيادي من غير السيادي عندنا. ولأن "التيار" لم يجد على ما يبدو في وجود مثل هذه "الوثيقة" ما يعفِّر السيادة بوحل التدخلات الخارجية خلافا لما عودنا عليه من كلام!!