الانتصار الثاني ودرس تموز
لا تجيز الوقائع الموضوعية المجردة عن كل الحساسيات الداخلية سوى بالاعتراف الواضح الجريء الذي لا يقبل جدلا من سائر الاطراف بان "حزب الله" حقق عبر صفقة تبادل الاسرى مع اسرائيل انتصاره الثاني على اعتى قوة حربية في الشرق الاوسط بعد حرب تموز، مكملا مفاعيل هذا الانتصار بكل المعايير الحقيقية عسكريا ومعنويا. وهذا التطور ينبغي النظر اليه بامعان واقعي، وبصرف النظر عن الانفعالات "الوجدانية" المضخمة في الطرف المنتصر او الاحتقانات المتأججة لدى خصومه، لانه يشكل معلما كبيرا من معالم انقلاب في موازين القوى الاقليمية والدولية على ابواب متغيرات تبدو كأنها تسبق مشروعا مغايرا للشرق الاوسط اقله في لحظة انحسار النفوذ الاميركي راهنا عشية افول ادارة الرئيس جورج بوش. وبذلك يكون لبنان قد دخل احدى الحقبات الكبيرة من المتغيرات التي سبق له ان شهد الكثير من نماذجها مثل حقبة العصر السوري، او حقبة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، او حقبة الطائف، او حقبة الاستقلال الثاني مع انتفاضة 2005. وهي حقبات موصوفة بقلب التوازنات الداخلية على وقع تحولات خارجية ضخمة كانت معها موازين القوى تنقلب رأسا على عقب.
تبعا لذلك ليس مستغربا ان يخرج العماد ميشال عون، الحليف المسيحي الاساسي لـ"حزب الله" في الداخل، في آخر اطلالاته رافعا شعار "الوعد" الجديد لانصاره وجماهير المعارضة بالحكم الكامل بعد الانتخابات النيابية المقبلة كأنه يضمن وحلفاءه الانتصار الحاسم المسبق على قوى الغالبية. وليس غريبا ايضا ان يكون هذا البعد تماما جوهر التعثر المستمر في ولادة الحكومة الجديدة. فالحسابات السياسية في الصراع اللبناني الراهن لا تعرف "الرحمة" او المهادنة، ولم تكن تسوية الدوحة سوى النذير الاول لبداية تحولات ضخمة تحبل بها المنطقة باسرها.
غير ان التحلي بالواقعية نفسها، وبصرف النظر عن البعد الانساني العاطفي والوطني، وحتى "القومي" اذا صح الاعتبار، بوجود هذا العامل الماضي قدما نحو الانحلال، ازاء قضية الاسرى التي تشكل قضية لبنانية صرفة لا تخضع لاي توظيف سلبي او ايجابي من هنا وهناك، هذه الواقعية توجب تلقف هذا التطور بدروس حرب تموز نفسها في اقل التقديرات بما لها وعليها على الطرف المنتصر فيها على المستوى الداخلي منذ ما بعد الانتصار الموصوف وصولا الى انفجار ازمة تحكيم سلاحه في الداخل. فاذا كانت فلسفة تمجيد القوة الوسيلة الوحيدة التي يفهمها العدو والعالم بأسره، وهذه حقيقة لم تعد تخضع للجدل، فان تحكيم هذه "العقيدة" في الموازين الداخلية الى درجة استباق الانتخابات والاستحقاقات الدستورية والبناء عليها في صوغ مشروع حكم كامل مسبق تعني بأبسط الاستخلاصات تحويل الحقبة الفاصلة عن الانتخابات مشروعا تصعيديا متواصلا لمحاولة املاء شروط بخلفية حسم عسكري واختزال الخصم والغاء "اكثريته" القائمة حتى موعد "الموقعة" الكبرى بقوة التعطيل. ومع كل المعاني الكبيرة والابعاد الثابتة لانتصار "حزب الله" في صفقة تبادل الاسرى، فان ذلك لا يجيز انتفاخ خطاب الحسم في التركيبة اللبنانية التي بمقدار ما وفرت للحزب في بعدها المتعدد والمتنوع والحر الانتصار تلو الآخر، تهدد هذه الانتصارات بالتقويض في الداخل كلما تحولت عنوان استقواء بعقيدة القوة واساليبها وانماطها في الامن والسياسة والمجتمع. ثم ان المعارضة تشن معاركها المتواصلة على الغالبية منذ نحو اربعة اعوام لتحكيم منطق هجين في النظام الديموقراطي الاصيل واحلال منطق الديموقراطية التوافقية مكانه، بما يسقط واقعيا اي جنوح نحو توظيف اي انتصار، حتى لو حمل كل مواصفات الانتصار على العدو، في نظام وتركيبة لا يتحملان اي فائض قوة والا اهتزت الصيغة الاساسية للبنان في ركائزها. واذا كان الاحتكام الى الانتخابات هو الوسيلة المشروعة الحلال للوصول الى الحكم الكامل، فان حماية هذا المبدأ المحق تبدأ بتلقف الانتصار الثاني الوافد على الداخل اللبناني بمنطق تسوية تاريخية جذرية لا تهرب معها الغالبية من الاعتراف بالمتغيرات الضخمة في المنطقة ولا يهرب معها "حزب الله" وحلفاؤه من الاعتراف بعبثية تحكيم القوة في تغيير الموازين الداخلية. ولا تحتاج هذه الحقيقة الراسخة الى اثباتات ميدانية وسط انتصاب الشواهد اليومية عليها في ساحات امتدت من بيروت الى الجبل والبقاع الاوسط وطرابلس ومعظم الشمال، من دون احتساب لاي احلام انتخابية موغلة في الاستعجال.