#adsense

لماذا تعدّ صفقة التبادل “سابقة” في العرف الإسرائيلي؟

حجم الخط

أول ملف يغلق بشكل كامل بين لبنان وإسرائيل
لماذا تعدّ صفقة التبادل "سابقة" في العرف الإسرائيلي؟

يعود سمير القنطار إلى بلده وبلدته بالتزامن مع الذكرى السنوية الثانية لعملية "الوعد الصادق" التي ابتغت أسر جنود اسرائيليين "في ما وراء الخط الأزرق" لمبادلتهم به.
بعودته يكون ملف الأسرى هو أول ملف يغلق عملياً بشكل كامل بين لبنان واسرائيل، في حين أن الملفات الأخرى هي إما من النوع الذي لم يغلق بعد بشكل كامل (الأرض والحدود) وإما من النوع الذي ما زال يفتقد أرضية صالحة للتداول بشأنه (مسألة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ملف التعويضات المالية).

"ثقافة حقوق الإنسان"

وفي هذا المجال، فإن الحرص على المعاني الوطنية الجامعة للاحتفال بعودة أقدم وآخر الأسرى إلى كنف الوطن، عليها أن تؤسس على الإيضاحات التي أبداها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في هذا الشأن (فصل عودة الأسرى عن البحث في سلاح "حزب الله" والمنظومة الدفاعية)، بحيث إن عودة الأسرى هي مناسبة وطنية جامعة ولن تجري تجزئتها لا لإثبات حجية هذا الفريق أو ذاك في ما عنى الأزمة الداخلية وما هو مباح وما هو محرّم من وسائل للخوض فيها، أو في ما عنى تحديد المرجعية الموكلة تقرير حال السلم من حال الحرب، ذلك أن اغلاق ملف ليس يعني بشكل مسبق اغلاق الملفات الأخرى، كما أن الإقرار بجدوى ما بذل على خط اغلاق هذا الملف لا يعني المصادقة مسبقاً على ما يرتئيه هذا الفريق أو ذاك من سبل لإغلاق الملفات الأخرى.

وكي تكون المناسبة وطنية جامعة، يجدر الحرص على تمييز قضية الأسرى من حيث هي قضية تندرج بالأصالة على رأس قضايا "حقوق الإنسان"، وخير سبيل لتلمّسها أو لإبقائها حية ماثلة في الأذهان هو تنشيط "ثقافة حقوق الإنسان" وعدم حصرها في جانب دون آخر، والتنبه إلى أنها ما زالت منحسرة الحضور في هذه المنطقة من العالم ككلّ بالرغم من كثرة الأدبيات النمطية التي تحرّر بشأنها. ففي نهاية الأمر، لا يمكن التوفيق كثيراً بين "ثقافة حقوق الإنسان" والرائج من "ثقافة شعبوية" لها معيار آخر للحق يتفاوت بين انسان وانسان، فيمارس الغلو في نفر بعينه ويرمي بالنجاسة نفراً آخر.

أما اسرائيل فهي تستعد لتسلّم رفات جندييها ايلداد ريغيف وإيهود غولدفاسر اللذين أسرا في عملية "الوعد الصادق". يومها رفضت حكومة أولمرت أي خيار ديبلوماسي يتيح استعادتهما، وتذرعت بالعمل على تحريرهما لشنّ عدوان على لبنان امتدّ لأكثر من ثلاثة وثلاثين يوماً، واستهدف المناطق الشيعية بشكل تدميري تهجيري مركّز، ما كان من شأنه تجذير الافتراق بين الذاكرات الجمعية للطوائف اللبنانية، وجعل الأزمة اللبنانية مستعصية أكثر من ذي قبل.

موتى في مقابل أحياء

وإذا كان لبنان لم يصل بعد إلى اعتماد الحد الأدنى من القراءة المشتركة لما حصل في تموز وآب 2006، ما يبقي هذه الأيام الكابوسية قدر ما هي مفصلية من تاريخه الحديث أسيرة السجال الداخلي، فإن المؤسسة الحاكمة في اسرائيل قامت بهذه القراءة من طريق "تقرير فينوغراد"، وقد جاء دور الرأي العام الإسرائيلي اليوم ليقوم بهذه القراءة وهو يتحسّس حجم "التفاوت" في "صفقة الأسرى" بين ما "أعطي" لـ"حزب الله" وما أخذ منه. فالمؤرخ الشهير بني موريس وصف هذه الصفقة بـ"السابقة" في مقال له نشرته "لوس أنجلوس تايمز". صحيح أنه في عام 1983 حدثت عملية تبادل ضخمة، حينها أطلقت اسرائيل سراح 4700 لبناني وفلسطيني في مقابل استعادتها لستة من جنودها، وصحيح أنه سبق لإسرائيل قبل أربع سنوات أن أطلقت سراح 450 من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين في مقابل رفات ثلاثة من جنودها وعميد في الاحتياط استدرج إلى بيروت في اطار تجارة المخدرات. لكن، لأول مرة تقوم صفقة التبادل بين أحياء من جهة وموتى من جهة أخرى، وهو أمر من شأنه فرض أثمان باهظة على اسرائيل لإتمام صفقة التبادل المماثلة مع حركة "حماس" بقصد إطلاق الجندي جلعاد شاليط الذي ليس من يشك الآن بأنه ما زال على قيد الحياة.
أسئلة كثيرة سيطرحها الرأي العام الإسرائيلي على حكومته لكن أيضاً على نفسه وهو يتابع "صفقة التبادل".

السؤال الأول: لماذا تقبل الحكومة الإسرائيلية بعد سنتين على حرب تموز ما كانت رفضته عشية حرب تموز؟، بطبيعة الحال، هو سؤال حري أن يوجّه إلى الغالبية العظمى من الإسرائيليين الذين كانوا أكثر من متحمّسين في تموز 2006 لخوض خيار التصعيد غير المسبوق ضد لبنان، وكانت حماسة الرأي العام لا تقارن بتردّد قطاعات واسعة من الجيش الإسرائيلي.

السؤال الثاني: هل تدفع صفة تبادل الأسرى مع "حزب الله" ولاحقاً مع "حماس"، هاتين المنظمتين إلى المزيد من الواقعية السياسية تجاه اسرائيل، أم أن "السابقة" المتمثّلة بتبادل رفات موتى بأجساد حية يمكنها أن تنخرط مجدّداً في أنشطة معادية لإسرائيل هي من النوع الذي سيزيد من تطرّف "حزب الله" و"حماس"، وهو بالتحديد الخيار الذي حذّر منه بني موريس؟.
السؤال الثالث: ماذا بعد أولمرت؟ بل ماذا بعد.. كاديما؟

المنظمات والدول

لقد تشكّل "حزب كاديما" كخيار سياسي يريد التأسيس على تجربة الانسحابين الأحاديين من جنوب لبنان ومن غزّة لتأسيس فك الارتباط الأحادي مع ما يترك للفلسطينيين من أراض في الضفة الغربية. لم تكن المناطق التي انسحبت منها اسرائيل بشكل أحادي آمنة بالنسبة إلى هذا الخيار، الا أن المحصلة العامة لاصطدام اسرائيل بـ"حزب الله" وبـ"حماس" في ظل حكومة ايهود اولمرت أنّه قد جرى تعطيل الانسحاب الأحادي الأهم، أي الانسحاب من الضفة الغربية، في مقابل المزيد من السيادة "الحماسية" في غزة، و"الحزب اللهية" في مناطق تزداد اتساعاً في لبنان. اسرائيل فضّلت أن تدفع الأتاوة لقوى التطرّف بدلاً من أن تدفعها لقوى الاعتدال، إن في لبنان أو في فلسطين، وآثرت التفاوض مع المنظمات المسلّحة بدلاً من التفاوض مع الدول.

زئيفي برئيل يذهب تحديداً في هذا الاتجاه في مقال له بصحيفة "هآرتس" متسائلاً إن كانت إرادة إضعاف الدولة اللبنانية أو السلطة الفلسطينية تقف وراء صفقة تبادل الأسرى مع "حزب الله" ومن ثمّ مع "حماس"، أم أن الضعف الفعلي للدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية هو الذي يسهّل مثل هذه الصفقات؟.

هو بحق سؤال مطروح على اللبنانيين كما الفلسطينيين، أما الجواب عليه فمؤجل إلى ما بعد الفرحة باستقبال الأسرى العائدين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل