تبادل الأسرى و«الوقت المستقطع»
يستقبل لبنان خلال أيام أسراه المحتجزين في السجون الإسرائيلية منذ سنوات، بفعل العناد والعنجهية الإسرائيليين ومنطق العدوان واستخدام القوة المفرطة والقهر. ويسمح هذا الحدث للبنانيين (وللعرب المتتبعين له) بأن يحصلوا على «وقت مستقطع» من الصراعات المريضة التي تعبث بهم وبأمنهم وبمجتمعهم وباستقرارهم السياسي، لأنها تحولت الى صراعات دموية مقيتة، مذهبية وطائفية، أعادتهم سنوات الى الوراء. والحدث يعيد الأمور الى نصابها في عقولهم، نسبياً، فيذكرهم بأن معاناتهم الأساس هي من الصلف الإسرائيلي ومن الاجتياحات التي تعرض لها بلدهم وكذلك الكثير من صراعاتهم التي باتت أضرارها ومعها أمراضها وضجيجها، تطغى على آلام العدوانية الإسرائيلية. وهو ما استفادت منه إسرائيل حكماً. فكل ما يضعف اللبنانيين والعرب يفيدها…
لكن للحدث آثاراً أخرى ايضاً. فهو يعيد الى «حزب الله» صورته الوطنية، لنجاحه في التفاوض على استعادة الأسرى ولرضوخ إسرائيل الى منطق التبادل بدل منطق القوة العمياء الذي مارسته على مدى عقود مع العرب أجمعين ومع الفلسطينيين خصوصاً، وطبعاً مع اللبنانيين، لا سيما في حربها عليهم في تموز (يوليو) من عام 2006. فصورة الحزب كمقاومة حررت الأرض في عام 2000 وقدمت التضحيات وواجهت العدو بكفاءة هي التي كانت لا تزال مسيطرة على العقل العربي واللبناني، الى ان أخذت هذه الصورة تتبدل نتيجة وقوعه في حفر الأزمة السياسية اللبنانية الداخلية، وآخرها حفرة اجتياح بيروت مع حلفائه في 7 أيار (مايو) الماضي.
حدث الأسرى، الذي يتهيأ اللبنانيون للاحتفال به، لم يكن ترحيب خصوم الحزب بإنجازه، من زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري ورئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط والرئيس السابق أمين الجميل ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع وغيرهم، فضلاً عن بيان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، عن عبث. إن الحدث يتيح «وقتاً مستقطعاً» في الخصومة بين هؤلاء وبين الحزب، وقد تلقفه هؤلاء الخصوم، على رغم انتقادات بعضهم لتغييب الدولة عن التفاوض في شأن الأسرى. فاستعادة الأسرى اللبنانيين نموذج عن نجاحات الحزب في المواجهة مع إسرائيل، والتي استطاع توظيفها إيجاباً في الداخل اللبناني وفي شكل متدرج وصبور منذ عام 1982، مزيداً من الاحتضان اللبناني والعربي والإسلامي للمقاومة كنهج وثقافة وممارسة، لقيت التأييد والحماسة، على رغم بعض الإخفاقات في التعاطي مع السياسة الداخلية.
لكن الحزب، خصوصاً بعد نجاحه في حرب تموز 2006، أخذ يستثمر هذا النجاح في توظيف داخلي متدرج على الصعيد الداخلي، بقيادته حركة الانقسام الداخلي، وصولاً الى استغنائه الكامل عن الإجماع الداخلي الذي تغنى به لسنوات وعن الديموقراطية التوافقية، سواء في رسم السياسات الداخلية او الخارجية للبنان ودوره. فهو أبقى على حرصه على الإجماع بتمسكه بما اتفق عليه في البيان الوزاري لحكومة السنيورة حول المقاومة، وبرر خطواته بدءاً باستقالة الوزراء الشيعة وباعتصام المعارضة، عبر سعيه إلى تكريس الديموقراطية التوافقية، إلى أن استخدم سلاحه في الداخل في أيار الماضي فجاهر بأنه طلّق الإجماع والتوافق، غير آبه بآثار الأزمة على المواجهة مع إسرائيل، ومدى استفادتها من الانقسام الداخلي في التغلب على إخفاقها في حرب تموز.
إن الخشية هي من ان يتغاضى الحزب، لمناسبة نجاحه في استعادة الأسرى، عن شبه الإجماع الذي يستعيده، والذي يرمّم بعض ما فقده على الصعيدين العربي والإسلامي نتيجة الطابع المذهبي للأحداث المتراكمة منذ عام 2006 وصولاً إلى موقعتي بيروت والجبل الأخيرتين في أيار. وهذه الخشية أسبابها كثيرة تبدأ بالمكابرة لدى بعض قادة الحزب ورفض الاعتراف بالآثار السلبية لما حصل في أيار، وتمر بتوجيه التهم إلى دول وجهات أخرى بإذكاء المذهبية، ولا تنتهي عند شبه الازدراء الذي يتعاطى به إعلام الحزب مع ترحيب قادة خصومه بنجاحه في إتمام صفقة التبادل، كأن البعض لا يريد حتى أن يكون هناك «وقت مستقطع» للصراع الداخلي وطابعه المدمّر والدموي الذي تفرح له إسرائيل.
إن دعوة الحزب إلى تلقف هذا «الوقت المستقطع» وتحويله إلى مناسبة لإعادة وصل ما انقطع في شكل عقلاني وتدريجي ليس مجرد دعوة عاطفية. وإذا كانت لدى بعض الحزب شكوك حيال صدق ترحيب بعض خصومه بنجاحه، فإن تجاهل هذا الترحيب يعني في نهاية المطاف اعتماد سياسة إلغاء الآخرين.
ثمة أرض مشتركة يتيحها مناخ اتفاق الدوحة لإطالة هذا «الوقت المستقطع»، بدءاً باستعادة مشهد كل لبنان في استقبال الأسرى العائدين في مطار بيروت في عام 2004، والذي كانت رئاسة الحكومة في طليعته، مروراً بالسعي الى تطبيق ما تبقى من قرار مجلس الأمن الرقم 1701 الذي حظي بالإجماع…