قليل من الحلم !
استنفدت القرائح السياسية كل الصيغ الوزارية الممكنة وكل التشكيلات الحكومية المتوازنة، وكل الخلطات التي تستجيب ما تم الاتفاق عليه في الدوحة، ولكن دون جدوى. فقد وقع البلد في ازمة تشكيل الحكومة العتيدة ودأب "حزب الله" و"حركة أمل" على القول: اذهبوا الى الجنرال فعندما يوافق نحن نوافق.
وعلى امتداد الاسابيع الماضية فهم اللبنانيون جميعا ان مسألة التشكيل عالقة عند عون الذي تجاوز المطالب المعقولة الى التطلب النهم، على ما اشار الرئيس فؤاد السنيورة. وقد شكلت تصريحات الجنرال، اليومية تقريبا، عن شروطه وما يريده من الحقائب السيادية والخدماتية تأكيدا واثباتا ان الامور عالقة عنده فعلا او لنقل عند الذين لا يستجيبون شروطه التي يعتبرها هو "حقوقا مكتسبة"!
❒❒❒
والمفاجأة جاءت اول من امس من عند الجنرال عندما قال انه لا يعرف سبب المأزق الحكومي وان "لا صيغ جديدة عرضت عليّ. ومن ثم يتهموننا بالعرقلة. العرقلة ليست من هنا. الجميع يعرفون من اين ولا اعرف متى يبدأ التحوّل. احد الاسباب غير المنظورة الخلاف على البيان الوزاري وعودة السعودية على الخط"!
صدق او لا تصدق. الجنرال لا يعرف سبب المأزق. ولكأن الناس بلا ذاكرة ولا يقرأون ولا يفقهون ولا يرصدون التصريحات والشروط والمطالب. ولكن عندما يقول إن لا صيغ عرضت عليه، فان ذلك يعني تماما ان كثيرا من الصيغ عرضت عليه وانه ينتظر المزيد. وما لم يأته ما يريد ويشترط فإنه يرى ان العرقلة ليست من عنده، مع ان الجميع يعرفون فعلا انها من عنده، كما يعرفون ان ما يسميه "التحوّل" مرهون بأمرين:
ان يحصل على حصة "ريكاردوس قلب الاسد" في الحكومة العتيدة لاسباب انتخابية ليست خافية على احد.
وان تكون الظروف عند القيادة العليا في المعارضة، أي عند "حزب الله"، قد باتت تسمح فعلا بتشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" تمهيدا للبدء في الحوار الوطني والاستراتيجيا الدفاعية!
❒❒❒
الى هنا الامور واضحة جدا ومفهومة جدا. ما ليس مفهوما هو اشارة الجنرال الى ان الخلاف على البيان الوزاري هو احد اسباب المأزق الحكومي، مع ان البحث في هذا البيان لم يبدأ بعد، وخصوصا ان الدخان الابيض لم يظهر فوق الرابية رغم كل الصيغ التي قدمت، وقد تبين صراحة ان عون ينتظر صيغاً جديدة !
❒❒❒
وما ليس مقبولا على الاطلاق (وإن كان البعض يجده مفهوما) هو ان ينساق الجنرال في تلك الحملة الشرسة المخططة ضد المملكة العربية السعودية. وهو زعيم بارز في لبنان لا نقدر ان نتصور لوهلة انه يملك فعلا ان يشارك بعض الاصوات المعروفة في هواها ومستواها في الحملة المفبركة المذكورة !
وعندما يقول عون ان "عودة السعودية على الخط" هي من اسباب المأزق الحكومي، فانه يقع في خطأين شكلي وجوهري.
الخطأ الشكلي، والمهم طبعا، هو ان السعودية لم تترك لبنان لتعود الآن على خطوطه. فهي باقية فيه ولكن في موقع الشقيق الذي بذل جهودا هائلة في خلال الازمة الحكومية وعلى قاعدة دعوة كل الافرقاء اللبنانيين الى التفاهم والحوار والوحدة، مع الحرص على عدم التدخل لمصلحة هذا الفريق او ذاك. وكلنا يتذكر ما بذله السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه للتقريب بين اللبنانيين وبمواكبة شخصية من الملك عبدالله، الذي سارع على عادته وعادة المملكة الى دعم الاقتصاد اللبناني بالمساعدات المالية والعينية قبل عدوان تموز 2006 وبعده وبالودائع في البنك المركزي دعما للعملة اللبنانية.
أما الخطأ الجوهري فيتمثل في ذلك السعي المستغرب لخلق حال من الحساسية المسيحية تحديدا او بالاحرى من العداء ضد الطائفة السنّية في لبنان وما لها من امتدادات اقليمية، تارة عبر توجيه الاتهامات مباشرة الى الرياض، وطورا عبر التهجم على "تيار المستقبل" وبيت الحريري، وهو امر لا يخدم لبنان ولا المسيحيين اللبنانيين ولا الشيعة في لبنان.
وقد يكون من الملائم هنا ان نتذكر ما بذله خادم الحرمين الشريفين من جهود مع القيادة العليا في ايران لمنع انزلاق لبنان الى الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة، وخصوصا يومي الثلثاء والخميس الاسودين، وكانا قد سبقا طبعا اجتياح بيروت والتداعيات الامنية البغيضة التي شهدناها في البقاع ونشهدها في طرابلس.
❒❒❒
فعلا ليس في وسع زعيم مثل الجنرال عون الحديث عن خروج السعودية وعودة السعودية. فالسعودية لم تخرج قط، ولكنها خففت من وتيرة بذل جهودها مباشرة بعد بروز "المبادرة العربية"، وبذلت جهدا كبيرا يعرفه الكثيرون لانجاح "اتفاق الدوحة"، لانها تريد للازمة اللبنانية ان تنتهي وان يستعيد اللبنانيون وحدتهم الوطنية وتفاهمهم.
ولعل من المفيد جدا ان اللبنانيين قرأوا امس كلام الجنرال عون الذي يسوق الاتهامات المستغربة الى السعودية، وهو منشور في الصفحات التي نشرت تصريحات الملك عبدالله التي ورد فيها: "نحن لا نريد للبنان واهله سوى ان يعيش سيرته الاولى متوافقا بعضه مع البعض مستقلا مستقرا… لا نريد ان يكون ساحة لصراع الكبار او يكون منفذا لتصدير عبث العابثين ممن لا يريدون له وللمنطقة ان ينعما بالامن والامان".
زيادة في الافادة، قرأ اللبنانيون ايضا امس كلام النائب سعد الحريري العائد من السعودية، وهو يدعو الى تنشيط الاتصالات بين كل الافرقاء اللبنانيين وفي مقدمهم الجنرال عون لتسهيل تشكيل الحكومة وتقليع العهد الجديد.
وكان لافتا جدا رفضه الحديث عن معارضة وموالاة "فنحن سنشكل حكومة وحدة وطنية ويجب ألا يكون فيها موالاة ومعارضة".
والكلام واضح وعقبات التشكيل اوضح ولكن الامل ان يأخذنا الجنرال بحلمه قليلا.