الحرب الأميركية ـ الاسرائيلية المحدودة او الشاملة على ايران لا تنتج حلولاً
لبنان وفلسطين "الحلقة الأضعف"
المرحلة الانتقالية التي تعيشها الولايات المتحدة الاميركية، بانتظار انتخاب رئيس للجمهورية يفرض رؤيته ونهجه، تسود حالة ضبابية في مختلف مراكز القرار في العالم. ومن الطبيعي ان تكون منطقة الشرق الاوسط التي تشكل جغرافياً وميدانياً الجزء الاساسي من "قوس الازمات" الممتد من افغانستان الى تركيا، في قلب هذه الحالة التي تفتح الشهية لوضع كل السيناريوهات التي تذهب من اقصى التعلق بالحلول السلمية الى ابعد حالات التشاؤم التي تجعل من اقتراب يوم القيامة موعداً ناجزاً.
التفاوض بالنار
امام هذه الحالة الخاصة، يصبح اي كلام او مقال "علاّقة" جاهزة لتحمل ثقل هذا السيناريو او ذاك. ولذلك فان تصاعد أسهم الحرب ضد ايران بعد سلسلة من التهديدات المتبادلة المفتوحة على اقحام المنطقة ومعها العالم في الجحيم كان ومازال المهيمن، الذي يجري بناء المستقبل عليه في هذا الصراع او ذاك. ولا يضير احد من ان مستقبل منطقة شاسعة مثل منطقة الشرق الاوسط والتي من ضمنها وطنه او بلد اشقائه على مثل هذا السيناريو، ليسقط بذلك حق الاختيار وواجب الاستعداد والمواجهة. الاخرون يقررون، والباقون يتلقون.
واضعو مثل هذا السيناريو او الاخذون به يتناسون مساراً حقيقياً سواء كان محدوداً او مفتوحاً حتى محطة لا تؤشر الى طبيعة المحطة المقبلة، موجوداً وان مختلف الافرقاء يعملون عليه سراً او علانية. ولذلك من الافضل الاستعداد للحالتين، فان نجح مسار التفاوض "لا يذهب الصغار فرق عملة في سوق المقايضة بين الكبار". وان وقعت الحرب لا يكون الاستسلام لمفاعيلها وكأنها قدر لا يمكن الهرب منه ولو "قيد انملة".
السيناريو المخيف للمنطقة، هو وقوع حرب اميركية ـ ايرانية بحجة الملف النووي والاستعداد "لعسكرته" ايرانياً، او لأن الرئيس جورج بوش يريد وضع هذا الملف "كرة نار" في احضان الرئيس الذي سيخلفه خصوصا اذا كان باراك اوباما. وهذا السيناريو، يتراوح بين ضربات محدودة، تؤكد للايرانيين ان استخدام السلاح جدي وليس مجرد احتمال ولذلك من الافضل ان تتراجع طهران وتفاوض تحت ضغط النار طالمما انها رفضت لسنوات التفاوض الديبلوماسي الجدي واقفال الملف نهائياً عبر وقف التخصيب النووي. والسؤال هنا: ماذا يعني توجيه ضربة محدودة؟. واذا كانت واشنطن لها تعريفها لذلك فهل هذا التعريف مقبول من طهران لتأخذ به وليكون ردها محدوداً؟.
كارثة أسعار النفط
لا احد يضمن في اي مواجهة عسكرية وضع "سقف محدد" سلفاً لأي حرب، فالخسارة المقبولة ايرانياً قد لا يكون الرد عليها مقبولاً اميركياً والعكس صحيح. وفي جميع الاحوال فان مردود مثل هذه العملية سيقع على "رأس" اسعار النفط، ومن الطبيعي في هذه الحالة ان يقفز سعر برميل النفط الى حوالى مئتي دولار دفعة واحدة، والسؤال هنا كيف سيتعامل العالم مع هذا الارتفاع ـ الانهيار لان كل ارتفاع لسعر برميل النفط يدفع بطريقة عكسية الى مزيد من الانهيار الاقتصادي العالمي ومزيد من انزلاق الدول الفقيرة نحو قعر الجوع والعوز، هذا دون الكلام عن تراجع حالات التنمية حتى في اكبر الدول النامية في العالم.
الى جانب هذا كله يبقى سؤال كبير معلق، كيف ستعمل اسرائيل؟ هل تترك الفرصة تمر من بين ايديها دون الدخول على خط المعركة؟ وهل الرئيس جورج بوش قادر في هذه الحالة على وقف الشهية الاسرائيلية للتدخل؟ وماذا سيحصل اذا تدخلت اسرائيل عسكرياً؟ وعندها من يضمن الحد من طول شعاع دائرة المواجهات؟ واخيراً وهو الاخطر فان مثل هذه الحرب ستمنح "عسكرة" مشروعها النووي "شرعية" أمام الايرانيين والآخرين كسلاح دفاعي في مواجهة المعتدين، فيجري تسريع هذه "العسكرة" لينقلب بذلك "السحر على الساحر".
باختصار شديد، هذه الأسئلة الواقعية جداً تقود حتماً الى البحث عن شكل وطبيعة وحيثية وعائدات السيناريو الأسود. هذا السيناريو الذي يبدأ بتنفيذ "شتاء صاروخي" أميركي تفرضه على ايران، والذي يشمل ضرب 1500 هدف على مساحة ايران موجودة في "بنك الأهداف" الذي وضعته القيادة الأميركية سابقاً والذي يتم تحديثه كل فترة زمنية تحددها الظروف والتطورات، وهذه الأهداف تضم كما هو معلن المواقع النووية والعسكرية والأمنية والقيادية وربما اهدافاً حساسة من سدود مائية ومعامل صناعية ضخمة، وغيرها من مواقع البنى التحتية. والمفترض ان تستمر هذه الحرب لفترة تزيد عن أربعة اسابيع، تكون نهايتها اعادة ايران الى ما قبل "المرحلة البهلوية".
ايران صرحت وهددت، وهي لا شك جادة في تنفيذ ذلك اذا وقعت الحرب الأميركية التي تعيدها مئة سنة الى الوراء. الايرانيون وطنيون حتى العظم. وما نقل عن وزير الدفاع الأميركي غيتس انه يجب توقع انتقال الحرب الى داخل الولايات المتحدة الأميركية حقيقي. لأن كثيرا من الايرانيين الملكيين الذين يعيشون آمنين في الولايات المتحدة الأميركية سيتحولون الى "قنابل موقوتة". والتجربة اكدت ان الطيارين الملكيين في الحرب العراقية ـ الايرانية خرجوا من السجون ليقودوا الهجمة الجوية الأولى ضد العراق.
احراق الأرض
أيضاً وهو الأخطر، ان الايرانيين اذا عرفوا وشاهدوا ان ايران قد انتهت، سيحرقون الأرض الذي تحيط بهم من أفغانستان ـ حيث الشيعة الهررة وحكمتيار الى حدود سوريا مع تركيا. لكل تنظيم وحركة ودولة دور ينفذه مباشرة او بالواسطة لا فرق. يساعدها في ذلك التصميم بأن ما يحصل هو المواجهة الكبرى ضد "الشيطان الأكبر".
أما اذا دخلت اسرائيل على خط هذه الحرب المفتوحة فإن ذلك يكفي لرمي الزيت على نار الحرب، وليسقط بذلك التردد وعوامل السلامة، وتصبح المشاركة واجباً شرعياً ووطنياً وقومياً. ولا يعود هناك من خطوط حمر ميدانياً. ومن ذلك ان مفاعل ديمونا سيكون فعلاً هدفاً للقصف الصاروخي، وربما معه مواقع سرية موجودة على لائحة بنك الأهداف الايراني مما قد يعرض المنطقة كلها الى "رياح ملوثة نووية" ثمنها اضخم بكثير من كل مردوداتها. ويبقى الى جانب كل ذلك مفاعيل هذه الحرب على النفط وأسعاره عالمياً مع حلول الشتاء. كل يوم "تصمد" فيه ايران، وكل هدف متوقع او غير متوقع مثل مضيق هرمز يصاب أو يعطل لفترة محدودة قصيرة أو طويلة يشكل ثقلاً اضافياً على ميزان النفط، لما ينتج عنه من ارتفاع صاروخي للأسعار تتجاوز التجربة المحدودة للغزو الأميركي للعراق، حيث كان كل شيء محسوباً بدقة، بما في ذلك "تسميم" الأجواء بالشائعات والمعلومات المبالغ بها.
ما العمل؟ التحرر من قيود الأزمات يبدو صعباً وحتى مستحيلاً الآن. الاستمرار في الغرق في الرمال المتحركة يهدد مصير قوى كثيرة من حقها الدفاع عن وجودها. والانزلاق نحو ان الحرب هي الحل، هو مثل الاختيار بين الموت أو الموت.
الاختيار الأكثر واقعية، يكون في اعادة قراءة خريطة موازين القوى واحتمالات النجاح والفشل لمسار المفاوضات واحتمالات الحرب ان يعمل اللبنانيون والفلسطينيون وهم "الحلقة الأضعف" في المنطقة، نحو اعادة اللحمة لجبهتهم الداخلية مهما بدا ذلك صعباً وأحياناً مؤلماً للنفس، حتى لا تنهيهم الحرب ولا المفاوضات تجعلهم "فتاتاً" على طاولة "اللئام"!.