#adsense

بين حجري الرحى

حجم الخط

بين حجري الرحى

وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضرى إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
معلقة زهير بن أبي سلمى

الرحى هي آلة بدائية من الحجر الخشن الثقيل تستعمل لجرش الحبوب وطحنها، وهي عبارة عن حجرين مستديرين يركب أحدهما فوق الآخر، ويكون السفلي ثابتاً فيما يتحرك الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني تكون قاعدته مثبتة في الحجر السفلي، وعندما تدور حجر الرحى فإنها تمر فوق حبات القمح أو الشعير التي توضع في فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي، فتتكسر تلك الحبات شيئاً فشيئاً بعد مرورها بين حجري الرحى لتصبح دقيقاً.

بين حجري الرحى، هذا هو واقع حال "تيار المستقبل" في مواجهة الوضع الذي خلقه "حزب الله" منذ بداية محاولة الانقلاب التي تلت حرب تموز 2006 عند استقالة الوزراء واحتلال ساحة رياض الصلح وما رافقها من استفزازات شبه يومية تعرّض لها أهل بيروت من غزوات راكبي الدراجات النارية التي كانت تعتدي بشكل دوري على الأحياء البيروتية ذات الحساسية المذهبية. لقد كان الهدف حينها وضع الحكومة تحت ضغط الشارع لدفعها الى الاستقالة قبل انتهاء عهد إميل لحود ولم يكن في الحسبان استثارة الحساسيات المذهبية. ولكن اللعب على حافة الهاوية، كما وصفها في ذلك الوقت أحد كتّاب "حزب الله"، والهجوم المركّز والظالم على الرئيس فؤاد السنيورة والحساسيات المذهبية التاريخية، أدخلت البلاد في مرحلة جديدة عنوانها الصراع المذهبي وهاجسها الأول كيفية تأمين الحماية الذاتية لأهالي بيروت من الغزوات الليلية التي كانت تنفّذها مجموعات راكبي الدراجات النارية التي يقال ان "حزب الله" قد اشترى اثني عشر ألفاً منها ووزعها بشكل أساسي في بيروت واستعملت بشكل كثيف أثناء الغزوة الأخيرة.

لقد تعرّض "تيار المستقبل" في الفترة التي تلت احتلال الوسط التجاري الى ضغوط شعبية شديدة لتأمين الحماية من الأعمال البلطجية والتي أخذت طابعاً مذهبياً شديد الحدّة بين فعل وردّات فعل. وبعد جدل تم إقرار دعم إنشاء نوع من اللجان المحلية للجم التعديات اليومية وضبط ردّات الفعل لمنعها من التفلّت من حدودها. لقد بدت هذه الخطوة ضرورية مع ارتجاليتها ولكنها استدرجت "تيار المستقبل" الى منطق الأمن الذاتي وأعطت للمؤيدين إحساساً كاذباً بالأمان ما لبث أن سقط سريعاً تحت وطأة الآلة العسكرية المتفوّقة لـ"حزب الله".

واليوم وبعد سقوط كل الأوهام حول أهداف "حزب الله" السياسية والعسكرية، وبعد وضوح عدائيته المفتوحة تجاه الداخل، أصبح "تيار المستقبل" مطالباً، وبشكل عدائي أحياناً، من جمهوره بأن يأخذ مساراً أكثر عدائية في المواجهة بعد سقوط أوهام الاعتماد على القوى الشرعية للدفاع عن الخيارات السياسية من خلال الحيادية المريبة التي أبداها الجيش خلال غزوة بيروت.

يعيش "تيار المستقبل" على هذه الخلفية أزمة حقيقية لأن جمهوره أصبح يضع المسألة الأمنية في أول سلّم الأولويات، وبدأت تتردّد تعابير على نمط "الكرامة قبل العلم" و"الأمن قبل الصحة" و"السلاح أهم من الإنماء" الى ما هنالك من تعابير تعد انقلاباً على الشعارات التي يعتمدها هذا التيار بشكل تقليدي. بناء على ذلك فإن استمرار الأوضاع الأمنية في التأزم وتكرار التعديات قد يؤدي الى انفضاض بعض جمهور المستقبل عنه وتوجهه الى خيارات أكثر تطرفاً وأكثر بعداً عن منطق الدولة. وقد بدا اليوم واضحاً شعبية الأصوات المرتفعة التي بدأت تنادي بالتسلّح وبناء القوة الذاتية لمواجهة مشروع "حزب الله"، خصوصاً بعد الوصول الى قناعة عامة بأن هذا المشروع لا يمكن وقفه من دون الوصول الى مواجهة مفتوحة معه. والواضح أيضاً هو ضعف حجج التيار التي يردّدها أركانه في التمسك بمشروع الدولة وبحصرية حمل السلاح بالقوى الشرعية في الوقت الذي يشاهد المواطنون الترسانة العسكرية الهائلة التي يملكها "حزب الله" ويتفنن في استعمالها لتطويع باقي المكوّنات اللبنانية ويعطي من خلالها الشعور بالمنعة والعنفوان للطائفة التي يعتبرها جمهوره.

لذلك فإن ما يطالب به الآن معظم جمهور "تيار المستقبل" هو بناء قوة عسكرية ذاتية تحت الشعارات نفسها التي بنى "حزب الله" قوته من خلالها لتعطي هذا الجمهور الإحساس بالأمان والمساواة مع باقي المكوّنات اللبنانية. ويعتبر معظم المطالبين بهذه القوة الذاتية بأن مشروعاً من هذا النوع لا يمكنه النجاح من دون رعاية إقليمية مماثلة لما تقدمه إيران لـ"حزب الله" ويعتبرون أن هذا أمر منطقي لأن لبنان هو الآن الجبهة الأمامية في المواجهة مع مشروع ولاية الفقيه ويعد سقوطه مقدمة لوقوع مساحات أخرى من الوطن العربي تحت وصاية هذا المشروع (لقد صرّح صخر فخراني سفير إيران السابق في سوريا بأن: إذا صبرنا وعملنا بذكاء فإن لبنان سوف يقع في أيدينا ومن بعده سيأتي دور الآخرين).

قد يكون قرار المواجهة القرار الأكثر قرباً الى المنطق في ظل هذه المعطيات لكن قيادة "تيار المستقبل" غير قادرة ولا مستعدة لأن تستدرج تحت الضغط الشعبي لتتخذ قرارات تدخل لبنان في دوامة جديدة من الحرب الأهلية قد تحصد كل ما عمل مؤسس هذا التيار على إنجازه وتقضي على كل ما تحقق من إنجازات على مختلف الأصعدة. كما أن من يحمل في ضميره احتراماً للحياة لا يمكنه أن يقرر ببرودة أعصاب التضحية بالآلاف من الأرواح على نقيض ما يفعله القادة الإلهيون.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل