#adsense

قصة قديس: القديس شربل (الحلقة السابعة)

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة السابعة)

رسالة الأب شربل هي رسالة تعليم، ولكن ليس بالكتابة والأقوال بل بالمثل والأعمال. روحانيته لا تقوم على الوعظ والتبشير، بل على قيمة حياتية وتصرفات سامية تتيح للمتلقي ان يتعلم سلوك طريق الله من دون ان ينبس الأب شربل بجملة او حتى عبارة. وعن هذا يروي لنا الأباتي يوحنا العنداري رئيس الرهبانية العام سابقاً، الحادث التالي:

"كنت لم ازل اخاً دارساً حين سعدت بزيارة الأب شربل في المحبسة. حالما رآني اتى إلي بلطف، ودعاني الى الجلوس ومضى، وبعد لحظات عاد وفي يده كتاب مفتوح، دفعه إلي طالباً ان أقرأ بصوت عال. كان الكتاب سيرة حياة مار انطونيوس الكبير، قرأت فصل منه، ولما انتهيت، استرجع الأب شربل الكتاب وانصرف. تلك كانت طريقته في استقبال الرهبان."

ليس بينه وبين زائره شىء اعلى واجدى من توسط شخص آخر، قديس كبير، يكون لكليهما مثالاً اعلى. لم يوجه اي سؤال. لم يرد ان يعرف عن الرهبانية وعن البلاد وعن العالم. كان قد اصبح نفساً حديثها مع الأزل. هذا السكوت المستمر من اجل الله، ازاء المهام الدنيوية جميعاً لفيه من العظمة والصمود ما يفوق ارادة الأبطال، ويوقف الملائكة امام جلاله خاشعين.

تواضع شربل

على شربل ان يغرق عظمة جهاده في خضم الوداعة واللطف، لأن بهاء الفضيلة لا يستسلم لأبناء العنف، بل لروح المتواضعين، روح الطفولة التي جعلها المسيح شرطاً لدخول ملكوته:" ان لم ترجعوا فتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات."

متواضع كطفل صغير. هذا شربل في عمق اعماقه. يعتقد عن اخلاص ومن قرارة وجدانه انه احقر البشر! من هذه الأعماق يتفجر ينبوع طاعته للجميع حتى لخدم الدير. هنا ايضاً سبب رغبته في تناول فضلة طعام الرهبان، وعلة انشراحه لطلب الغفران عن هفوات لم يقترفها.
روى الأخ جواد الحادث التالي:

"كنت افلح في كرم الدير، وكان الأب شربل ينحي الدوالي عن طريقي لئلا تدوسها الثيران. وكان ان ثوراً كسر احداها على الرغم من جهوده. غضب الأب مكاريوس وقال للحبيس: ولو هيك بتخلي الفدان يكسرا، شو عم تعمل؟ خر الأب شربل على ركبتيه، وضم ذراعيه الى صدره وقال: غفرلي منشان المسيح!"

اختطاف بالله

ما كانت تقشفات الأب شربل لتثنيه عن مهمته الجوهرية وهدفه الأمثل: التأمل العقلي ومناجاة الله في خلوة الباطن. هو انسان مولع بالتأمل في كمالات الله وحقائق الأزل. هو راهب يبتغي الكمال، فيروح يرسم في نفسه صورة المسيح بإنتباه المصور الماهر المطيل النظر. اتحاد بالله مستمر بلغ به الى ما يسميه آباء الروح "السهو بالله" او الإختطاف به اختطافاً كاد يرتفع عن الشعور بالمرئيات واحداث الزمن. لكأنه اصبح كما نقول في الصلاة، انساناً غير هيولي.

شهد الأخ الياس المهريني:"كنت تظنه عائشاً في عالم الأبد !"

نحن في شهر كانون الثاني حيث تتألق صومعة عنايا في مجد من البروق والرعود. هوذا الأب شربل ساجد في الكنيسة، غارق في تأمله امام القربان الأقدس، وإذ بصاعقة بلهاء تنقض على الكنيسة فتحدث فجوة في السطح، وتهدم زاوية المذبح مجتازة الى الخارج، محرقة ذيل ثوب الحبيس. ما باله لم يتزحزح؟ ما زال ممعناً في صلاته لا يبالي. بينما رفيقاه، الأب مكاريوس والأخ نعمة الله قد اغمي عليهما لشدة الرائحة الغريبة التي نشرتها الصاعقة.

ويتنبه الأب مكاريوس مسرعاً الى الكنيسة ليرى ما حل بالأب شربل. ولدى دخوله هتف مدهوشاً:
– يا حسرتي نهد المدبح !

– يه يه ! صرخ الأخ فرنسيس، قولك بونا شربل بو شي؟ الدخان طالع منو، ومش عم يتحرك !

وإذ بالأب شربل يستفيق كمن يستفيق من حلم عميق.

كان حبيسنا قد بلغ الى الحالة النفسانية التي يسميها صوفيو التنسك "الثيوريا"، حيث يصمت القلب وتهدأ الأفكار، مستغرقة في لاوعي ذاتي، هو تمام الوعي، يجعل الإنسان اشبه بالروح المجردة منه بكائن ذي جسد من تراب.

الثعالب الهانئة

الأعجوبة الأكثر تواتراً في حياة آباء البرية، هي اعجوبة الحيوانات المطيعة التي كان الناسك يعايشها بإتفاق تام. في حياة الأب شربل ثلاثة حوادث واقعية تتعلق بالحيوانات. وتأتي قصة الثعالب الظريفة في الطليعة.

كان الأب شربل ذات ليلة، في بدء نضوج العنب، ينطرالكرم، وإذ بثعالب متضورة جوعاً تجتاز السياج وتبدأ بالتهام العناقيد على مرأى منه. ما كان من الأب شربل إلا ان تركها بعض الوقت. عند الصباح، اكتشف الأب مكاريوس موضع العطل في الدوالي فانهال لوماً على الحبيس:

– يا بونا شربل شو نطرت بالليل، مبين الواويي خربونا.

اجاب شربل ببراءة الأطفال:

– يا معلمي لقيتن جوعانين، تركتن ياكلولن حبتين.

من غريب الإتفاق ان حادثاً شبيهاً بهذا حصل في حياة الناسك شارل دو فوكو، معاصر الأب شربل. كان ذلك في الناصرة، عند الراهبات الكلاريس. وكل الى الأخ شارل ان يطارد ثعلباً كان يلحق الضرر في دجاج الدير، ودفعت اليه بندقية لهذا الغرض. عند هبوط الليل، جلس شارل بالمرصاد خلف شجرة زيتون. لكن الثعلب ابطأ في الظهور مما جعل الراصد يغرق في تلاوة محبسته ويسهى عن مهمته، ولم يشعر إلا في اليوم الثاني بفقدان بعض الدجاجات.

في كلا الحادثين، كانت الغلبة للثعالب على حارسي الليل القديسين.

الأفعى المطيعة

يقول الأب الجليل نعمه رئيس الأب شربل: "نحن في أيام فلاحة الكرم. ذهبت وجمهور ديري للقيام بهذا العمل. وبينما نحن في مهمتنا إذ بأفعى تخرج من الأدغال، فخفنا. كانت تدور امامنا وتفحّ فحيحاً مشؤوماً رافعة ذنبها طوراً ورأسها تارةً كما لو كانت تريد أن تنقض علينا. عبثاً حاولنا قتلها، وإذ أعيتنا الحيلة وعرانا الخوف الشديد، انتبهت وصرخت: "وينو بونا شربل؟ عيطو لبونا شربل". اتى الأب شربل واتجه نحو الأفعى وهو يقول لنا: "تركوها تركوها !"، لأننا كنا حاملين حجارة وعصياً نحاول قتلها. حينئذٍ تقدم منها الأب شربل وإذ بها تجمد في مكانها. وبإشارة من يده دلها على طريقها آمراً: "روحي من هون". عندها انسلت الأفعى ببطء مارة من امامه وانصرفت، فأخذتنا الدهشة وحمدنا الله على نجاتنا".

يذكرنا هذا الحادث بأسد الصحراء الذي يخبرنا عنه جون ماسشاس. اسد مخيف ينشر الرعب في منطقة يعيش فيها جوليان العامودي. دعا هذا الخير تلميذه وقال:" إذهب مسافة ميلين نحو الجنوب تجد اسداً رابضاً فتقول له أن جوليان الحقير يقول لك غادر هذا البلد. قام التلميذ بمهمته وانصرف الأسد.

على ان ما كان في الصحراء أسطورة او رمزاً اصبح في حياة شربل واقعاً وحقيقة.

بأية لغة خاطب شربل الافعى فأطاعت وانصرفت؟

إنها ولا شك لغة البراءة، تلك التي كانت في الفردوس تُخضع الطبيعة للإنسان، أشد الحيوانات ضراوة يجتذبه نقاء طفل. جدة الكاتب الأب بولس ضاهر، رأت يوماً حية رقطاء تلاعب طفلاً ملاعبة الصديق. طهارة ملاك على بساطة طفل، ذلك ما يجعل الضواري أليفة حبيبة. لقد خاطب شربل الحية ببراءة أوجعت في رأسها السم الزعاف فانصاعت الى الوراء. الأب شربل لم يكن يريد قتل حيوان مهما كان ضاراً تاركاً لله مهمة التصرف به قائلاً: "هلي خلقو بيدبرو".

الجراد والماء المبارك

قبل اختراع الوسائل الحديثة في مكافحة الجراد، كان آفة الزرع الكبرى في الشرق الأوسط. فهذه الدويبات النهمة كانت تأتي من الجنوب أسراباً كثيفة يعقب مرورها قحط في لبنان. لم تكن تترك حيث تقع عشباً ولا ورقاً ولا قشراً على شجر. ألم تكن هي إحدى الضربات المنزلة بفرعون على زمان موسى؟ بلادنا لا تزال تذكر بألم شديد مأساة المجاعة التي أزكاها مرور هذه الدويبات الرعناء أبان الحرب العالمية الاولى. تلك المأساة زادها هولاً جور الأتراك وجعلها تودي بحياة نصف مليون لبناني جوعاً… .

قال حبيس ميفوق الأب سمعان الإهمجي في الأب شربل وحادثة الجراد: " عام 1885 دهمت اسراب من الجراد تكاد تحجب الشمس حقول عنايا والقرى المجاورة. كان لا بد من ان تتلف جميع الزروع والأغراس. في غمرة هذا الخطر المحدق، أمر الرئيس الأب شربل بأن يبارك ماءً ويرش به الحقول. كل حقل رُش بالماء الذي باركه شربل نجا من فك الجراد. ومن ثم هرع أهالي إهمج الى عنايا يطلبون ماءً باركه الحبيس، فرشوا به حقولهم فسلمت هي ايضاً من الضرر. وحينما آن وقت الحصاد، قدم نحو مئة شخص من قرية إهمج وحصدوا زرع الدير مجاناً عرفاناً للجميل".

من جميع القرى المجاورة كان الفلاحون يتهافتون طالبين ماءً مباركاً من صومعة شربل. كان لهذا الماء فاعلية طرد الفئران والجرذان والحشرات السامة والضارة بدود الحرير أو بمستودعات المؤن.

يد ترتفع بالبركة على كأس ماء فتتفجر ذراته طاقات خيرات معجزات. ذلك مفعول كيمياء القداسة، فهل يرعوي مفجرو الذرات، مدركين فاعلية روح الله في الكائنات؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل