المسيحي النموذجي
هدرت الضاحية الجنوبية بصوت واحد ، وردد الصدى كل البقاع الشمالي ، ومن مارون الراس حتى الغازية قرب صيدا جنوباً هتف جمهور حزب الله: لا والف لا، وهو يرد على سؤال العماد البرتقالي "هل يستطيع حزب الله ان يعيش بدوني؟! وفي نفس الوقت تلفت المسيحييون حولهم فلم يروا ان العماد واعٍ بل وجدوه يغط في سبات عميق منذ شباط 2006 يوم وقع وثيقة التفاهم مع حزب الله! وقد كان في باله انه بهذه الطريقة يشارك بالقرار ويصنع المعادلة الجديدة!
واصل المعادلة وفصلها ان مشروع حزب ايران كان يحتاج الى ساتر يحجب عنه صبغته المذهبية النافرة في بداياته الاولى، وقد وجد في عماد لبنان النموذج المثالي اللاهث وراء احلام لا تتحقق، والذي يُصبغ على نفسه صفات لا وجود لها، فكيف يمكن لعاقل ان يصدق ان هناك مسيحياً بغير المعنى الديني! ومتى كان للوصولية مذهب او طائفة! ومثلها النرجسية وعبادة الذات! ومثلهما التلون والاستدارة 180 درجة دون ادنى شعور بالخجل او الوجل، وعندما بحثنا عن اعادة النظر في السلوك السياسي عند حزب الله وما ساعده به العماد في هذا المجال، اكتشفنا انه قبل الوثيقة كان الحزب يردد دون كلل انه لن يدير سلاحه الى الداخل اللبناني، فيما اتاح له توقيع العماد ان ينغمس مع سلاحه في مشروع هيمنة وغزوات على الارض تُكتب كل تفاصيله وفي كل مناطق لبنان تباعاً وفقاً لسيناريو "القضم والهضم" السائر وعين العماد والحزب الالهي ترعاه وتدير خطواته وتبارك مسيرته المظفرة!
وقد انشغلت دوائر حاضرة الفاتيكان واشتعلت انوار ساحة القديس بطرس! وسهرت بكركي! واستنفر دير مار انطونيوس خشباو، ودير سيدة البير، ونساك قنوبين، وملافنة عنايا كي يفهموا مغزى قول عماد لبنان "ان المسيحييون معرضين للدفعة الاخيرة من الهجرة واذا اهتز وجودهم في لبنان او في سوريا فلن يعود هناك مسيحييون!!"
ولم يجد الجميع تفسيراً للفلسفة البرتقالية العميقة الى ان اعلن العلامة "فايز شكر" من الرابية بالذات تأييده لاقوال عون وكشف انه يتكلم باسمه وباسم المعارضة! وعندها فهم الجميع لماذا ضُمت المطالب السياسية في سلة واحدة وفيها ايضاً وضع بطريرك الرابية مصير مسيحيي سوريا ولبنان ايضاً وفي آن معاً!! وبالتأكيد فإن الوجود المسيحي سيعاني مخاطر وجودية عندما يصير التحالف بين الامين القطري لحزب البعث وامين عام حزب الله والعماد عون هو الضامن لحرية المعتقد والممارسة وكلً الحريات الاخرى التي تسعى اليها الاقليات المعرضة على مدى التاريخ للاضطهاد ومحاولات التذويب!
ويبقى ان الاخوة الارمن الذين تعرضوا للمذابح والتهجير والتنكيل يتعرضون اليوم بمسعى برتقالي الى محاولة تحجيم قد تجعلهم في حال نجاحها نقطة في بحر هائج يتمدد من الخليج الفارسي الى البحر الابيض المتوسط ولهم فيما يعيش فيه اخوانهم في ايران خير مثال الى ما ينتظر مسيرتهم الحالية!
ويبقى في الكلام الجوهري للعماد، التعرض للسعودية، واستحضار احداث الجبل، والتنبؤ بالبيان الوزاري الآتي، وكلها علامات تؤكد ان الغوص في الفلسفة والدين والتاريخ والجغرافيا وتكبير الخطاب وتضخيم المخاطر تأتي في سياق انتخابي بحت يرمي الى التخويف والاحباط بهدف استعادة الموجة التي سادت في جولة العام 2005 الانتخابية!
وفي الختام فإنه في مواجهة ترداد عون لعبارة كليمنصو "اذا اردت ان تغش كل العالم فقل له الحقيقة" نستعير له قول كارول داغر في كتابها جنرال ورهان: "وجد عون نفسه مغشوشاً بعد ان كان يحسب انه يغش".