قبل يومين خاف اللبنانيون… وارتاحوا؟
قبل يومين اي الأربعاء الماضي ابدى اللبنانيون قلقاً وارتياحاً في آن واحد. الخوف ساورهم صباحاً عندما اطلعوا في وسائل الاعلام ولا سيما منها المكتوبة على مقتطفات من مقابلة اجرتها صحيفة "السياسة" الكويتية مع ملك العربية السعودية عبد الله بن عبد العزيز تناول فيها الوضع اللبناني بكثير من الاهتمام والجدية والاصرار والالتزام. ذلك انه قال "ان الفكر الخيّر هو الذي سيسود ساعة غروب الذين ارادوا الشر للبنان والمنطقة وربما للاقليم بأسره. وان ساعة غروب هؤلاء تدنو، وان اللبنانيين سيتمتعون بما اراده لهم الخيّرون ويتركون الذين ارادوا لهم الشر". كما دعا الى "ان يكون لبنان مستقلا ومستقراً لا ساحة لصراع الكبار او منفذاً للعبث الخارجي".
لماذا أخاف هذا الكلام اللبنانيين؟
قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من الاشارة الى ان هذا الكلام كان مصدر فرح وأمل لجهات لبنانية عدة كانت تعتمد ولا تزال على العربية السعودية ومصر والاعتدال العربي عموما، وكذلك على المجتمع الدولي بقطبيه الاميركي والاوروبي لمواجهة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها وطنهم من سوريا التي أُخرجت منه قسراً عام 2005 ومن الجمهورية الاسلامية الايرانية التي استخدمته ولا تزال ساحة اساسية في مواجهتها مع اميركا بصرف النظر عن الدمار الذي يلحقه ذلك به بشراً وحجراً ووفاقاً ووحدة وطنية وعيشاً مشتركاً واستقلالاً وسيادة وديموقراطية وأمناً واستقراراً. كما كانت تعتمد عليه لمواجهة الاطراف اللبنانيين المتحالفين مع هاتين الدولتين وتالياً المنفذين لسياساتها والتوجهات.
اما في معرض الجواب عن السؤال فلا بد من القول صراحة ان اللبنانيين على تنوع انتماءاتهم وتناقضها خافوا من الكلام السعودي الملكي رغم التزامه المصلحة الوطنية اللبنانية، لأنه أكد بصراحة كلّية هذا الالتزام. ويعني ذلك في اختصار ان المواجهة السعودية والعربية استطراداً مع سوريا ستستمر وخصوصا في لبنان وعليه ومن خلاله على المنطقة. وان المواجهة الاميركية الدولية مع سوريا وايران في لبنان ستستمر بواسطة العرب واللبنانيين طبعاً. وان اسرائيل يمكن ان تضطلع بدور في المواجهة المذكورة اذا وجدت مصلحة لها في ذلك من دون ان يطلب منها اي من اللبنانيين ذلك خلافا لادعاءات بعضهم. والمواجهة هنا لن تكون بالسياسة، لأن المواجهة السياسية استمرت ثلاث سنوات وإن ممزوجة بأعمال الاغتيال والتفجيرات المتنقلة ولم توصل الى نتيجة. ولأن المواجهة المقصودة ستكون العسكرية التي ظهرت طلائعها في ايار الماضي في بيروت ثم بدأت في التنقل ولا شيء يمنع استمرار تنقلها في هذه الحال في محاولة اولاً لرسم خطوط تماس جديدة واحياء خطوط تماس قديمة. وثانيا لبدء المواجهة الفعلية اي الحرب المذهبية الاهلية الطائفية. ومن شأن ذلك ان يكلف لبنان مرة جديدة اثماناً باهظة تؤثّر جدياً على الوطن والكيان والصيغة والدولة. علما ان الصيغة والدولة لم تعودا موجودتين الا نظرياً.
اذا كان هذا ما اخاف اللبنانيين صباح الاربعاء الماضي فما الذي اراحهم في ذلك اليوم نفسه؟
اراحتهم المعلومات التي بدأت تتدفق بعد الظهر، وفي اولى ساعات المساء على وسائل الاعلام موحية ان العقد المستعصية أمام تأليف الحكومة الاولى في العهد الرئاسي الجديد بدأت تتحلحل، وان التأليف قد ينجز خلال ساعات او ايام قليلة جدا. واراحتهم ايضا مواقف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي عصر الاربعاء نفسه والذي عقده لمناسبة انجاز الاتفاق على اقفال ملف الاسرى اللبنانيين في اسرائيل وبطريقة تسمح له جهاراً بالشعور بالفخر والعزة. وهي مواقف انفتاحية داخلياً وربما تسهيلية في موضوع تأليف الحكومة رغم انها لم تمس سواء من قريب او من بعيد استراتيجيته التي هي جزء من الاستراتيجيات الاقليمية المعروفة.
لكن هذه الراحة قد تكون هبة يمكن ان تعقبها هبات قلق واحباط وربما يأس. ذلك ان معلومات ليل الاربعاء معطوفة على معلومات صباح امس لم تكن مشجعة، وإن ابقت الباب امام الأمل مفتوحاً جزئياً. علماً أن على اللبنانيين ان يعرفوا ان تأليف الحكومة اخيراً وبعد مخاض فاق الشهر لا يعني ازالة الخوف المشار اليه في بداية المقال وانهاء المواجهة الداخلية – الاقليمية – الدولية. لكنه ربما يتيح للناس الخائفين، وهم من كل الطوائف والمذاهب بل من كل الشعوب، التقاط انفاسهم كما يتيح لقادتهم وخصوصاً المنخرطين "حتى العمى" في الطائفية والمذهبية، وإن المغلفة بشعارات اسلامية او قومية او وطنية، فرصة الاستعداد لجولات جديدة ومتنقلة من العنف.
