Site icon Lebanese Forces Official Website

نصرالله عندما يثبت أنّه لبق

مؤتمره الصحافيّ لا يتضمّن تراجعات لكنّه صيغ بـ"قالب هادئ" تفرضه المناسبة.. و"تهدئات" إقليمية

نصرالله عندما يثبت أنّه "لبق" 

"يجب" الإعترافُ بدايةً بأنّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله كان في مؤتمره الصحافيّ أوّل من أمس "هادئاً" و"متواضعاً".
فللمرّة الأولى منذ سنتَين، يقدّم خطاباً لا تخوينَ فيه ولا تهديد ولا وعيد. وللمرّة الأولى منذ سنتَين لا تنتهي إطلالته بإطلاق الرصاص أو بهجمات على "محاور" أو بـ"قتلة" لفريق من اللبنانيين. كان السيّد "لطيفاً" إذاً بل "قريباً إلى القلب".. تماماً لأنّه لم يكن "مخيفاً".

لا "تحوّل" بل "نبرة" مختلفة

لم ينتهِ الخلاف بينَ "حزب الله" وفريق 14 آذار.. أي ليسَ ثمّة "تحوّل" في المواقف لديه ولا صياغات مختلفة لها ولا إعادة نظر بأيّ منها. فقط هناك "لهجةٌ" أو "نبرة" تبدو "قريبةً" من نبرة الحوار أو الإستعداد للحوار. وهذا يكفي حاليّاً لأن ليسَ المطلوب أن يغيّر "حزب الله" نفسه، بل كان المطلوب دائماً ألاّ يسعى إلى تغيير الآخرين بـ"شتّى الوسائل".
وإذا كان "حزب الله" وأمنيه العام يلتزمان فقط بتلك النبرة ولو بـ"ضمنيّاتها"، فذلك تطوّر في حدّ ذاته لأنّ معناه القبول بأن يكونَ الصراع السياسيّ ـ والفكريّ والثقافيّ ـ سلمياً، وهذا هو الحدّ الأدنى الذي يتوق اللبنانيّون إليه.

السيّد "كأنّه" إعتذار

قياداتٌ كثيرة، سياسيّة ودينيّة، كانت طالبَت "حزب الله" بما سمّي "الإعتذار" لبيروت وأهلها عن "غزوة أيّار" الماضي. وأحدُ الإعلاميين سأل نصرالله أمس ـ من خارج سياق مناسبة المؤتمر الصحافيّ ـ عن ذلك "الإعتذار". ومع انّ السيّد لم يكن راغباً في تناول قضايا الوضع اللبناني الداخليّ، فإنّه ردّ بطلب إعتذار من "الفريق الآخر" عن الإساءات التي وجّهت لـ"المقاومة" منذ حرب تمّوز 2006 و"عندئذ فنحن مستعدّون لردّ التحيّة بمثلها أو بأحسن منها" كما قال.

قد يكون السؤال في غير محلّه. وربّما يكون طلب الإعتذار بمثابة طلب "المستحيل". بيدَ انّ السيّد نصرالله قاربَ "المستحيل" هو أيضاً. ساوى بين الرأي المعترض ووجهة النظر حيالَ موقف سياسيّ أو ممارسة سياسيّة من جانب "حزب الله" وبين الممارسة "التأديبيّة" و"الماديّة" بواسطة السلاح حيال الرأي المعترض ووجهة النظر المعترضة. وهذه "المساواة" ليست حقاً ولا عدلاً. ومع ذلك، فأخذاً بـ"النبرة الهادئة" للمؤتمر الصحافيّ، ومن أجل تكريس التهدئة بـ"النوايا الحسنة"، لا بأس من القول إن السيّد إذ دعا إلى إعتذار 14 آذاريّ متزامن مع ردّ حزب اللهي لـ"التحيَّة"، إنّما يبدو "كأنّه" إعتذر من دون أن يعتذِر.
على أنّ كلّ المقدّمات السابقة، بالرغم من أهميّة تسجيل الترحيب بـ"النبرة"، لا تختصر الحديث عن هدوء نصرالله وتواضعه في مؤتمره الصحافيّ.

المناسبة تفرض نفسها

لا شكّ انّ الهدوء الذي طبعَ المؤتمر الصحافيّ ليس فقط فعل "إختيار" أو "تفضيل" بين صيغة كلاميّة وأخرى. إنّ له أسباباً سياسيّة وجيهة.
السبب الأوّل بلا منازع هو طبيعية المناسبة التي يطلّ نصرالله لأجلها. والمناسبةُ هي إتّفاق التبادل بينَ "حزب الله" وإسرائيل الذي من شأنه ـ أي الإتفاق ـ أن يُقفل ملفّ الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيليّة إقفالاً تامّاً ونهائيّاً.

إنّ إقفال هذا الملفّ هو إنتصار لـ"حزب الله" وإنجازٌ وطنيّ لبنانيّ في آن. ولا شكّ انّ "حزب الله" يريد الإحتفال بهذَين الإنتصار والإنجاز. ويريدُ لهذا الإحتفال أن يتمّ في ظلّ إحتضان لبنانيّ "كامل"، لا سيّما انّ المواقف السياسيّة الداخليّة ـ في محصّلتها ـ عبّرت عن إجماع في هذا المجال، وعن تَوق إلى جعل المناسبة فرصةً للوحدة والحوار وإقفال صفحة التوتّرات والفتنة.

الحاجة إلى "الوهج"

إذاً، ليس فقط هناك ظرفٌ مؤاتٍ لإحتفال لبناني "شامل" بإطلاق الأسرى، بل ثمّة حاجة لدى "حزب الله" إلى هكذا إحتفال.
هو بحاجة، إنطلاقاً من حقيقة انّ التبادل إنتصار، كي يبرز إنتصاره.
وهو بحاجة كي يعيد "التذكير" بـ"وجهه المقاوم" بعدَ سنتَين مِن "الظل" على هذا الصعيد.
وهو بحاجة من أجل إستعادة "وهج" إفتقده على غير صعيد بعدَ أن إستهلك طاقاته في صراعه في الداخل معه.
وهو بحاجة، انطلاقاً من إنتصار "شرعيّ" إلى تجديد شرعيّة إنتصارات سابقة من ناحية و"تشريع" مرحلة أخرى من "العمل المقاوم" من ناحية ثانية.. وإن كانَ السيّد "طمأن" اللبنانيين إلى انّ "المقاومة ليست أبديّة".
تقترنُ "النبرة" الهادئة إذاً بالمناسبة وطبيعتها.

"تهدئات" إقليمية

بيدَ انّ مصادر، ديبلوماسية خاصّةً، تلفتُ الى تزامن هدوء نبرة "حزب الله" مما من شأنه ان ينعكسَ تهدئةً في لبنان، مع عدة "تهدئات" في المنطقة. من التهدئة في غزّة إلى "التهدئة السورية" في ظروف المفاوضات بين سوريا واسرائيل وفي اطار التمهيدات لزيارة بشار الأسد إلى باريس.. إلى "التهدئة الإيرانيّة" المستجدّة من أجل "عدم استفزاز" الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في هذه المرحلة (وقد إستبعد السيّد نصرالله بنوع من الثقة ضربة إسرائيلية لإيران).. مروراً بـ"شعور" عدد من القيادات الايرانيّة بلا جدوى أو لا مبرّر المضيّ في استفزاز الجوار العربي لاسيّما المملكة العربية السعودية.

بكلام آخر، وأخذاً في الاعتبار انّ الخطاب السياسي لنصرالله في مؤتمره الصحافيّ الأخير لا يتضمّن "تراجعات" أو "تنازلات" بل أتى في "قالب هادئ"، يمكن القول ان هذا الهدوء "فرضته" المناسبة من جهة ويتزامن مع "تهدئات" اقليمية من جهة أخرى.

الإيجابية.. وتشكيل الحكومة

بطبيعة الحال، لا بدّ من التعاطي مع كلام الأمين العام لـ"حزب الله" بإيجابيّة لمجرّد انه "أحسن" الخطاب.
ولا بد من الإستفادة من طرحه الهادئ لجعل تحرير الأسرى مناسبة لبنانية عامّة.
ولا بدّ من التأسيس عليه من أجل تمكين البلد من إلتقاط أنفاسه.
ولا بدّ من الانطلاق منه نحو حوار.. فحتى لو لم يكن ممكناً وصولُه إلى نتائج كبرى فليكن للاتفاق على كيفية إدارة الخلاف أو تنظيم العودة إلى قواعد "اللعبة" أي إلى المؤسسات.
وعلى كل حال، فإن المحك الأهم لـ"التهدئة" أو "الهدوء"، هو المساعدة على تشكيل الحكومة بأقصى سرعة ممكنة. فلا مبالغة البتّة في القول إن تشكيل الحكومة هو "النيّة الحسنة" المطلوب إظهارها تجاه البلد ككل، وتجاه رئيس الجمهورية وتجاه الفريق اللبناني الآخر.

Exit mobile version