#adsense

تنزيه استقبال الأسرى عن الأزمة الداخلية فرصة لا يجوز هدرها

حجم الخط

أوّل الغيث الامتناع عن التخوين وردّ التحيّة بأحسن منها
تنزيه استقبال الأسرى عن الأزمة الداخلية فرصة لا يجوز هدرها

توفي العميد ريمون إدّة بتاريخ 10 أيار 2000 في منفاه الباريسي. "مات في الغربة" قبل أسبوعين من الإنجاز الوطني المتمثّل بالإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وهو حدث تاريخي لطالما أصرّ العميد على ضرورة تحققه كاملاً، فثابر على رفع قضية الجنوب والجنوبيين مقدار مثابرته على رفع لواء القضية اللبنانية ككل، وفي المركز منها قضية استرجاع الإستقلال واستعادة السيادة، من خلال تفكيك الوصاية السورية، ابتداء من فضّ الوكالة الدولية الضمنية المزمنة المعطاة لها لأسباب ظلّت تتغيّر مع المنعطفات والسنين.

من ريمون إدة إلى سمير القنطار

توفي العميد ريمون إدّة في منفاه الباريسي. نقل جثمانه إلى بيروت. كان رئيس "الحزب التقدّمي الإشتراكي" وليد جنبلاط على رأس المستقبلين. ووري عميد الكتلة الوطنية و"ضمير لبنان" في الثرى تحيط به أعلام "الحزب التقدمي الإشتراكي". وكانت هذه أول إشارة، غنية بدلالاتها الرمزية والتاريخية، لانتقال مطلب السيادة من الدائرة المسيحية الصرف إلى الدائرة الوطنية الأكثر شمولاً.

لم يخفَ ذلك وقتها على "رجالات الوصاية"، وقد جاء الحدث التاريخي الكبير المتمثّل بعودة الجنوب ليعزّز هذا الاتجاه، حيث أن البلد الذي استطاع أن يحرّر أرضه بتضحيات أبنائه وبمناخ الإجماع الوطني الذي أمنه "تفاهم نيسان" 1996، هو بلد قد بلغ "سنّ الرشد" وما عاد ينفع اقناعه بـ"ضرورة" استمرار الوصاية إلى أجل غير مسمّى. ثم جاءت وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد في 10 حزيران 2000 لتنهي مرحلة كاملة وتؤذن بأخرى، على افتراض أن الحاكم بعده ملزم بأن يثبت جدارته وجرأته من خلال اعمال مراجعة جذرية للعلاقات اللبنانية ـ السورية على أساس من الإدراك السياسي بأن ما من قابلية للتوفيق بعد الآن بين منطق الأخوة ومنطق الوصاية.

بعد ذلك كان استحقاق الانتخابات التشريعية في لبنان، فجرى كسر شوكة "الفريق الأمني ـ الدعائي" التابع لإميل لحّود، ما مهّد الطريق لعودة الرئيس رفيق الحريري إلى الحكم، بعد سنتين من الاستشراء المخابراتي والافتراء السياسي والقضائي والكساد الاقتصادي، بمثل ما مهّد للنداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة، أي شرارة الإنطلاق الرسمي لعملية استرجاع الاستقلال والسيادة، بعدما استكملت هذه العملية ممهداتها الرمزية كما السياسية من أيار إلى أيلول 2000.

فهل يكون بالمتسع اليوم اجراء نوع من المقارنة بين اللحظة التي تميّز فيها وليد جنبلاط في أيار 2000 عند استقبال جثمان العميد ريمون إدّة في بيروت، وبين اللحظة المراد لها أن تكون "جامعة" بين اللبنانيين، والتي تحرص عليها قيادات 14 آذار بشكل لا لبس فيه، لتحويل استقبال آخر الأسرى العائدين إلى أرض الوطن إلى لحظة منزّهة عن الأزمة الداخلية، بل إلى عرس وطني يلملم فيه كل طرف جراحاته من دون أن يبدّل من قناعاته وتوصيفاته ومقتضياته؟

تبادل الاعتذارات أم تبادل التحيّة؟

لقد كان البلد عند هذه العتبة بالذات أمام خيارين: إما التقاط آخر فرصة لقول كلمة سواء بين الفرقاء الداخليين، وإما إطلاق رصاصة الرحمة على ما بقي من أواصر تجمع اللبنانيين في ما بينهم. يتحد هنا المعياران الواقعي ـ السياسي والأخلاقي ـ الوطني لتزكية المناخات الايجابية واقتناص هذه الفرصة بالذات، أي "صفقة تبادل الأسرى"، ليس للاسترسال في الأوهام، فما زال القطار اللبناني جد بعيد عن سكّته، وإنما لتوليد مساحة داخلية حوارية جديدة، خالية من الوعد والوعيد السياسيين، وساعية لأن توجد لأبناء هذا البلد وسائط للتخاطب غير "الاغتيالات المتسلسلة" ثم "الفتن المتنقلة".

بمعنى آخر، اللحظة التي يعيشها البلد اليوم هي من النوع الذي يمكن أن يعيننا على تلمّس معاني الآية الكريمة "وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها" (النساء، 86). فالخروج من "الفتنة المذهبية" لا يكون "بتبادل الاعتذارات" وإنما بـ"تبادل التحيات".

منطق الاعتذارات المتبادلة هو منطق الاعتذارات المشروطة: إعتذر مني فأعتذر منك، وان لم تبادر بالاعتذار مني فليس عليّ من حرج، وحلال ما ارتكبته في حقّك وبإمكاني أن أعاود الكرّة مرة جديدة. هكذا منطق يتابع "التخوين" بطرق أخرى. تجري مطالبة الطرف الآخر بالاعتذار عن "خياناته"، لأجل الاعتذار بعد ذلك عن "ردّات الفعل" التي تسبّبت بها هذه "الخيانات".

منطق تبادل التحيّات الذي أوجبته الآية الكريمة له شأن آخر. هو منطق له حدّ أدنى وحدّ أقصى. الحدّ الأدنى: الردّ على التحيّة بمثلها. الحدّ الأقصى: الردّ على التحيّة بأحسن منها. ما حصل في الساعات الأخيرة أنّه جرى الردّ على التحيّة بمثلها، فهل بالوسع المراهنة على الانتقال بسرعة إلى حيث تُرد التحية بأحسن منها؟

عون وسليمان: الفاضل والمفضول

هذا يستدعي الإقلاع بشكل عاجل عن "ثقافة التخوين"، بمثل ما يستدعي الإقلاع عن نفسية الرد على الأسئلة بأجوبة لأسئلة أخرى. فحين تطرح الحركة الاستقلالية السؤال عن "كلفة" عملية "الوعد الصادق"، لا يمكن أن يرد عليها بالجواب على سؤال "جدوى" هذه العملية لجهة اطلاق سراح الأسرى. السبيل الأجدى في هذا المجال هو إعادة التوفيق بين الكلفة وبين الجدوى، بين المنفعة التي تعود لفئة وبين المنفعة التي تعود للمجموع. ولهذا التوفيق مقام مختلف تماماً عمّا ساد في السنتين المنصرمتين من جمع غريب عجيب بين أقصى المطالبة بـ"المشاركة" وبين أقصى "التخوين" الذي يوجَّه لأولئك الذين كانت المعارضة تقيم الدنيا ولا تقعدها لأجل "مشاركتهم" في الحكم. كذلك الأمر فإن النجاح في التخاطب الداخلي رهن تجاوز مؤشرات "التفاؤل" الزائد عن حدّه الذي ينعكس بعد لحظات إلى "تشاؤم" زائد عن حدّه والى تحميل الطرف الآخر المسؤولية. كذلك لا بد من تجاوز هذا الخلط المتوتر، بين نوعين من "التنازلات"، وهو ما يرمز اليه الخطاب السياسي للعماد عون، اذ يخلط الأخير دائماً بين "التنازل عن مطلب" وبين "التنازل عن حق". رئاسة الجمهورية كانت مطلباً سياسياً مشروعاً له وليس حقاً مكفولاً أعطي له. وكذلك حال هذه الحقيبة الوزارية أو تلك. إن نظرة العماد عون إلى عهد الرئيس ميشال سليمان على أنه عهد "إمامة المفضول على الفاضل" ما زالت تقف حجر عثرة دون اعطاء أي فترة سماح للرئيس الجديد، وهذه سابقة في تاريخ "الجمهورية اللبنانية". كل رؤساء الجمهورية كانوا يعطون مثل هذه الفترة في بدايات عهدهم، الا العماد ميشال سليمان.

الحاجة إذاً إلى مراجعة جذرية لهذه المفارقات الخطابية. لكن ذلك لن يكفي من دون الإقرار بعنوانين أساسيين للأزمة الحالية: أزمة الارتباط بين اتساع حدة الانقسام المذهبي بين مسلمي لبنان سنة وشيعة وبين اتساع حدة الانقسام السياسي بين مسيحيي لبنان آذاريين وعونيين. المشكلة كل المشكلة أنّ الخطاب الذي أسّس له "تفاهم مار مخايل" يسمّي هذا "التداخل بين الفتنتين" الاسلامية الداخلية والمسيحية الداخلية "وحدة وطنية". باسم هذه "الوحدة الوطنية" يمكن تأليب قسم من المسلمين على قسم آخر، بدوافع مذهبية، ويمكن الادعاء بعد ذلك أن ما جرى في بيروت لم يكن غير "اشتباك" بين أولاد الجيرة، انطلاقاً من كلام حق يراد به باطل حول أن "بيروت للجميع".

وبيروت هذه ليست مصلحتها في أن تقول لأي كان شيئاً من قبيل "ما لنا لنا وحدنا، وما لكم لنا ولكم"، لكن من حقها المطلق أن ترفض الخلط بين منطق الجيرة وبين منطق الفتنة، بمثلما وجد وليد جنبلاط ابتداء من أيار 2000، أنّ من حقه، عند استقبال جثمان العميد ريمون إدة، استبعاد كل خلط بين منطق الأخوة وبين منطق الوصاية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل