الاستباق السياسي صورة منقحة عن الاستباق الامني؟!
عكس اعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله استعداده للإعتذار عن «اجتياح بيروت»، رد فعل سياسياً مشروطاً على استراتيجية امنية ثابتة، لا سيما عندما قال ان اعتذاره يأتي بعد اعتذار من كانت له مواقف وتصرفات مخالفة لنهج حزب الله في العام 2006 (حرب تموز)، فيما لم يأت السيد حسن على ذكر ما قيل عن مبررات «ضرب العاصمة» يوم قيل انها «عملية استباقية»، اي انها جاءت لمنع «قوى الموالاة» او اية قوى تحمل تسمية مماثلة من الانقضاض على المقاومة؟!
ان كلام الامين العام لحزب الله في مؤتمره الصحافي على موضوع واسباب ومبررات اجتياح بيروت، يتطلب توقفاً سياسياً وامنياً في وقت واحد، خصوصاً بالنسبة الى التفسير المرحلي المختلف حيث وردت في «حملة السابع من ايار الفائت» مفردات وصيغاً اقل ما يقال فيها انها اتهامية، بل مضبطة اتهام وضعت «تيار المستقبل» بقيادته ونوابه وشعبه وحلفائه في مصاف «العدو الاسرائيلي والعدو الاميركي الامبريالي»!
لذا، جاء تفسير البعض لكلام نصر الله وكأنه خطوة سياسية تسهيلية، فيما فسره البعض الآخر وكأنه «تجاهل مقصود لواقع سياسي – امني اوجده الحزب من ضمن المتغيرات التي حصلت جراء «ضرب العاصمة» وبعدها الجبل وصولاً الى البقاع والشمال، من غير حاجة الى اتهامه او تبرئته من مخطط «وضع اليد على البلد» بقوة ترسانته الحربية وجهوزية عناصره على الارض (…)
اما الذين حصروا اهتمامهم بالمردود السياسي الايجابي البحت من كلام الامين العام لحزب الله، «في مناسبة الحديث عن صفقة تبادل الاسرى»، فقد اعتبروا «استعداداته للتفاهم وللتلاقي» وكأنها تكفي وحدها لاعادة ما انقطع بين القيادات السياسية، لا سيما في مجال تذليل تعقيدات تشكيل الحكومة، فيما هناك من يجزم بأن «التقويم الواقعي والمنطقي الذي اجراه الحزب لكل ما حصل منذ ما قبل حرب تموز 2006 والانسحاب الوزاري الشيعي والاعتصام في وسط العاصمة وشل قدرات الدولة والوصول الى حال اقتصادية – اجتماعية بالغة السلبية» فرض ادراجه في سياق المؤتمر الصحافي. وفي غير مناسبة سياسية عامة، كي لا يقال ان الحزب على استعداد لاعادة نظر شاملة في كل ما قام ويقوم به!
قد يكون مثل هذا التحليل ابعد بكثير من ان يستوعبه الغارقون في «التأييد الاعمى» او «اولئك الذين لا يقرأون الا في كتابهم». غير ان الواقع العملي – السياسي شيء وواقع النقمة الشعبية – المجتمعية.. ونقمة لقمة العيش كما نقمة الكرامة شيء آخر؟!
من حيث المبدأ، يبدو كلام نصر الله مقبولاً الى حد اعتباره «حج خلاص» بعد الاختناق الذي يعانيه الوطن والمواطن. لكن السؤال المطروح في هذا الوقت بالذات وبعد الجرح الذي لحق بالعاصمة وبشعب بيروت الذي قال عنه سماحة الامين العام انه شعب المقاومة، هل يكفي الكلام وحده لإصلاح الخلل ولإسكات من قال عن حق او عن باطل «ان لبنان دخل مرحلة الفتنة المذهبية؟!».
واذا كان حزب الله قد تخطى كل ما حصل من مساوئ متبادلة، هل ينطبق موقفه وسلامه واستعداده للتفاهم، على من انساق وراء معارضته السياسية والامنية؟
يقول مرجع رسمي في هذا الصدد «ان نهج ترطيب الاجواء بالكلام لا يفي بالغرض»، خصوصاً ان ما سيطرح عند تأليف الحكومة العتيدة سيتخطى الاعتبارات السياسية والمذهبية والشخصية الى الاعتبارات الوطنية التي يكاد الاتفاق عليها يقع في دائرة الشك، بدليل ما قيل ويقال عما سيتضمنه البيان الوزاري او لن تقاربه حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، تجنباً لمحاذير العودة الى «اسلحة الشارع والاتهامات»!
والملاحظ في الاشارات الايجابية الاخيرة (زيارة رئيس كتلة نواب المستقبل سعد الحريري الى بعبدا وكلام الامين العام لحزب الله) انها قد تكون ضربت على الوتر السياسي الحساس لسواد اللبنانيين. غير ان الظاهر في الصورة السياسية يؤكد بشكل مطلق ان ثمة من امتعض حتى الوجع الشخصي والألم النفسي عندما سمع بمردود زيارة الحريري الى بعبدا وكلام نصر الله في مؤتمره الصحافي.
المهم كخلاصة، ان يسري مفعول التفاهم على قاعدة الاتعاظ مما حفلت به المرحلة من صعوبات «حيث لن تسلم الجرة في كل مرة»؟!