نصر الله "الهادئ شكلاً" أكد ثوابت "حزب الله" في الإصرار على تهميش الدولة
نقلا عن "السياسة": تميز المؤتمر الصحافي للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله بالهدوء شكلاً، ولكن المضمون أكد جملة ثوابت سياسية وأمنية يفرضها الحزب منذ سنوات طويلة على لبنان، ولم يبرز في كلام نصر الله أي مؤشر على ليونة ما في التعاطي السياسي.
أوساط سياسية محايدة أجرت قراءة متأنية لمضمون المؤتمر الصحافي على الشكل التالي:
أولاً: إن الهدوء الذي اتصف به نصر الله يعبر عن قرار سياسي بحت محلي ينفذه الحزب منذ اتفاق الدوحة ويقضي بتجنب المواجهة المباشرة مع أي طرف لبناني، وترك الحلفاء يفعلون ذلك في محاولة لاستعادة صورة الحزب "المقاوم" لإسرائيل، التي خسرها في أحداث أيار الماضي بالتزامن مع تكثيف المفاوضات بشأن تبادل الأسرى مع الإسرائيليين لتحقيق إنجاز كبير يسجل له، وقد دفع الحزب مقابل ذلك ثمناً تمثل بتخفيض سقف مطالبه في الصفقة.
ثانياً: أرسل نصر الله إشارات متعددة، تؤكد طموح الحزب بأن يعلن نفسه قوة عربية وإقليمية يتجاوز شأنها الداخل اللبناني وتكون لها كلمتها في قضايا المنطقة، وذلك بحديثه عن العلاقة المعقدة بين ملفات الأسرى الفلسطينيين والسوريين والأردنيين وغيرهم من العرب، بالإضافة طبعاً إلى الإشارة الصريحة إلى قضية الديبلوماسيين الإيرانيين المفقودين.
ثالثاً: بعد الحسم العسكري في بيروت والتوتير الأمني في عدد من المناطق، جاء وقت الاستثمار السياسي، وعلى هذا الأساس أعلن نصر الله استعداده للقاء قيادات سياسية في الأكثرية والمقصود على الأرجح النائب سعد الحريري، وهو الذي رفض في السابق لقاءه، مع تذكيره مجدداً بلقاءاته وتعاونه مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكن بإغفال تام أن ظروف ذلك التعاون أيام الاحتلال الإسرائيلي قبل العام 2000 تبدلت بعد ذلك التاريخ وتغير موقف الرئيس الشهيد منه، ومن باب أولى التأكيد أن ما بعد أيار الماضي، ليس كما قبله من دون أدنى شك.
رابعاً: هذه الدعوة للحوار ربطها نصر الله بشكل واضح بإحدى ثوابت سياسة الحزب وهي عدم إشراك الدولة بأي عمل يقوم به سلماً أو حرباً، في التفاوض أو في التصعيد، وجاء كلامه عن رفض تسليم الأسيرين الإسرائيليين في مرحلة سابقة لأجهزة الدولة ليؤكد عدم ثقته بالدولة، لا بل عدم قناعته بوجودها، وأردف مطالباً باعتذار "الفريق الحاكم" للمقاومة على "الإساءات والاتهامات" التي وجهت إليها أثناء وبعد حرب تموز 2006 كذلك ألمح نصرالله إلى أن سلوكه تجاه الدولة لن يتغير بإصراره على ما يسمى "الستراتيجية الدفاعية"، وهي في الخلاصة ليست سوى نقل سلاح الحزب من مسمى إلى آخر من دون أي تغيير في قرار استخدام هذا السلاح.
خامساً: لم يتراجع نصر الله عن قرار استراتيجي سبق واتخذه عشية أحداث أيار الماضي باستخدام السلاح في الداخل، بل على العكس رفض الاعتذار لأهالي بيروت على اجتياحها واحتلالها، فأكد أن "الهدوء السياسي" الحالي هو تكتيكي محض بهدف تمرير مرحلة لا أكثر من ضمن ثابتة ستراتيجية هدفها إخضاع لبنان بشكل دائم لتهديد السلاح.
سادسا: بدا من دعوة نصر الله إلى إقامة الاحتفالات على امتداد الأراضي اللبنانية ابتهاجاً بعودة الأسرى، أو تأبيناً للشهداء، وكأنها دعوة إلى استنفار جماهيري واسع قابل للاستخدام السياسي في المرحلة المقبلة، علماً أن الأجواء الشعبية في مختلف المناطق اللبنانية متشنجة ومحتقنة بسبب المعارك المتنقلة من مكان إلى آخر، وأي "مبالغة" في الاحتفال قد تستفز أوساطاً واسعة في الشارع اللبناني، وفي الإطار نفسه تأكد أن ظاهرة إطلاق الرصاص عند كل إطلالة لنصر الله لم تكن عفوية بل منظمة, فلم يسجل خلال المؤتمر الصحافي إطلاق نار كثيف كما جرت العادة, لأن عناصر الانضباط في الحزب في الضاحية الجنوبية منعوا هذه المرة إطلاق النار.
سابعاً: ثمة كلام لم ينقله نصر الله فتولت المهمة وسائل إعلام تدور في فلكه, فخرجت إحداها بافتتاحية تضمنت كلاماً "لمصدر مسؤول في حزب الله"، تعليقاً على انتقادات وتحفظات بعض أقطاب وشخصيات قوى 14 آذار على تفرد "حزب الله" في التفاوض حول صفقة الأسرى, وقد جاء رد "المصدر المسؤول" مناقضاً تماماً لهدوء نصر الله، إذ دعا المنتقدين إلى الصمت, كما دعا كل من شككوا بالحزب وبأدائه منذ حرب تموز 2006 وحتى اليوم إلى التوبة عن مواقفهم، خاصاً بالذكر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة المتهم بأنه خالف نص وروح البيان الوزاري لحكومته، عندما طعن بشرعية سلاح المقاومة.