#adsense

هل يعلن الأسد “السفارة”؟

حجم الخط

هل يعلن الأسد "السفارة"؟

بعد أسبوع تقريباً يستقبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي 44 رئيس دولة ممن يعتبرهم أصدقاء لبلاده أو شركاء في الاتحاد المتوسطي. وهو يتوقع ازدياد عدد الضيوف أو تقلصهم، حسب رغبة البعض في مقاطعة القمة التأسيسية أو حضورها. وقد اعتذر العقيد معمر القذافي عن عدم المشاركة لأسباب شرحها سفيره المتجول أحمد قذاف الدم، تتعلق بطريقة التعاطي مع الزعيم الليبي، وبتجاهل ساركوزي لموقفي الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي. كذلك تردد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في اتخاذ قرار حاسم حتى اليوم، في انتظار الايضاحات التي طلبها من الوزير الفرنسي برنار كوشنير بشأن الامتيازات التي أُعطيت لمصر وتونس والمغرب، أي الامتيازات التي تؤمن لمصر حق المشاركة في رئاسة الاتحاد، كما تسمح للمغرب وتونس بترؤس الأمانة العام أو استضافتها.

من بين كل الرؤساء اختار ساركوزي الرئيسين السوري واللبناني ليوجه إليهما دعوة شخصية للاشتراك في احتفالات الثورة الفرنسية (14 تموز). وقد أثارت هذه الالتفاتة الموجهة الى الأسد، حفيظة الرئيس السابق جاك شيراك ومؤيديه ممن فسروا هذا الانتقاء بأنه تجاوز للقرار 1701 وكل ما يمثله من إضعاف لنفوذ سوريا وايران في لبنان. لذلك اعتذر شيراك عن عدم حضور الاحتفالات – كما تقضي الأعراف – لأن ساركوزي في نظره، نسف كل القواعد السياسية التي تميز بها عهده.

يعترف رئيس فرنسا الجديد بأنه عدّل مسارات السياسة الخارجية بعدما أوقعها سلفه شيراك بعزلة تامة بسبب خلط نوازعه الشخصية بالقضايا الوطنية. وهو يزعم بأنه يطبق البرنامج الذي انتخب من أجله رئيساً، وبأن ثمار فك الارتباط مع الماضي الديغولي بدأت تنضج. وقد قطف الحلف الأطلسي أولى هذه الثمار عندما أعلن ساركوزي إعادة دمج القيادة الفرنسية بهذا النظام الدفاعي، بعد مضي 42 سنة على انسحاب ديغول منه.

إضافة الى هذه النقلة النوعية، فإن ساركوزي يفاخر بأنه سيستثمر فترة رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي، كي يجمع بواسطة مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"، دول افريقيا الشمالية وسوريا ولبنان واسرائيل وتركيا. ويقول أمين عام الرئاسة كلود غيان إن زيارة ساركوزي لاسرائيل ساعدته على جمع اوراق اضافية من الشرق الأوسط وقد وظفها من اجل ايجاد حلول سياسية في فلسطين ولبنان. لهذه الأسباب وسواها استطاع خلال فترة قصيرة أن يزيد حجم القوات الفرنسية في أفغانستان، وأن يقيم قاعدة عسكرية في وسط الخليج. وكان من الطبيعي أن يستخدم أوراقه الأوروبية والأميركية من أجل تحقيق بعض التقدم والانفتاح.

قبل زيارته لإسرائيل فوجىء ايهود أولمرت بأن ساركوزي أرسل أحد سفرائه السابقين الى غزة من اجل اجراء محادثات مع زعماء "حماس". واتصل به معاتباً لأن هذه الخطوة تخالف قرار اللجنة الرباعية الداعي الى مقاطعة "حماس" ما لم تعترف بالدولة العبرية وتوقف الهجمات الصاروخية وتتبنى الاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية. وتذرع الرئيس الفرنسي بمشروع الاتحاد المتوسطي، ملمحاً الى أن نجاح مساعيه يتوقف على كسب أكبر عدد من معرقلي التسوية، وانسجاماً مع هذا المبدأ اقنع أولمرت بأن المحافظة على المصالح الفرنسية في الدول العربية تستدعي التوفيق بين صداقة اسرائيل من جهة، ودول المنطقة من جهة ثانية.

عقب انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية، حرص الرئيس نيكولا ساركوزي على الاتصال بالرئيس بشار الاسد ليشكره على دوره في حلحلة أزمة سياسية استمرت اكثر من سنة ونصف السنة. علماً بأن فشل وزير الخارجية كوشنير في التوفيق بين اللبنانيين، دفع الرئيس الفرنسي الى قطع اتصالاته مع دمشق احتجاجاً على تجاهل دور بلاده. وذكر في حينه أن باريس كانت متخوفة من تجدد الحرب اللبنانية بعد أحداث السابع من أيار. لذلك امتدحت نتائج قمة الدوحة التي اعتبرها ساركوزي حصيلة وفاق اقليمي بين سوريا وايران والسعودية وقطر.

جماعة 14 آذار انتقدت ساركوزي بعنف لأنه سارع الى مكافأة سوريا التي ساعدت المعارضة في مؤتمر الدوحة، على تشكيل لجنة وزارية معطلة (11 وزيراً). ومعنى هذا أن الثلث المعطل سيسمح للمعارضة بإلغاء كل القرارات غير المنسجمة مع مصالح سوريا وايران. لهذا السبب جدد الموالون اختيارهم لفؤاد السنيورة، لعله يحافظ على التوازن داخل حكومة الوفاق الوطني. ويقال في هذا السياق إن الدوافع العميقة الكامنة وراء المطالب التعجيزية التي يشهرها العماد ميشال عون في وجه السنيورة، تعود الى حرص المعارضة على ترجمة هجوم 7 أيار الى قوة سياسية طاغية. والهدف من وراء هذه المطالب المستعصية يعود الى رغبة عون في ارغام السنيورة على اعلان الفشل ثم التنحي. وبما أن دستور الطائف لم يجد حلا لمثل هذه المشكلة، فإن المجتهدين نصحوا الرئيس سليمان بضرورة تحديد مهلة معينة للسنيورة يستخدمها لتشكيل حكومة الوفاق الوطني. وفي حال الفشل، يصار الى تكرار الاستشارات. فاذا حصل السنيورة على الاكثرية مرة ثانية، فان المخرج لا يكون إلا بإقرار قانون انتخابي على الأسس التي اتفق عليها في مؤتمر الدوحة، ولو أدى الامر الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة قبل ربيع 2009.

يقول المتتبعون للشأن اللبناني ان قانون الانتخابات على اساس القضاء يخدم حلفاء "حزب الله" بمن فيهم ميشال عون وسليمان فرنجية، كما يضعف خصومه بمن فيهم وليد جنبلاط وسعد الحريري. وتراهن المعارضة على ضمور كتلة جنبلاط (15 نائباً) في حال شكل الامير طلال ارسلان قائمة مناوئة في عاليه مع عميد الاسرى سمير القنطار. ومع ان السيد حسن نصر الله أعلن في خطابه الأخير انه لا يريد الاستفادة من عودة الاسرى في اي معادلة داخلية، إلا ان مسألة ترشيح سمير القنطار قد لا تدخل ضمن هذا التصور.

قرأ بعض المحللين في خطاب أمين عام "حزب الله" مقدمة للتهدئة ربما تقود الى تسهيل وتسريع عملية تشكيل الحكومة. وهم يتوقعون ان تنعكس مؤشرات التهدئة على اداء العماد ميشال عون الذي عرقل مهمة السنيورة، خصوصاً بعدما جيّر له "حزب الله" مسؤولية التعاطي مع رئيس الحكومة. واستفاد عون من هذا الدور لمحاصرة ميشال المر في المتن، والعمل على اقصاء نجله عن وزارة الدفاع وعن كتلة الرئيس سليمان تحديداً. ومع ان نشاط عون يهدف، ظاهرياً إلى عرقلة تشكيل حكومة السنيورة، إلا انه في الاساس يهدف الى تحييد دور الرئيس باعتباره يمثل المرجعية السياسية المارونية. وربما شجعه على متابعة هذه المهمة، نجاحه في تحييد دور البطريرك الماروني نصر الله صفير، الذي اقصته الحملات المركزة عن ساحة الوساطات الداخلية.

ويرى المراقبون ان العماد عون شعر بوطأة القرار الذي اتخذه "حزب الله" عندما أعلن قبل مؤتمر الدوحة، عن دعم ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية. ومن المؤكد انه اعترض على القرار، وطالب باطلاق يده في عملية الانتخابات لأن ميشال المر ووليد جنبلاط وجماعة 14 آذار صممّوا على تجريده من نصف نوابه على أقل تقدير. لذلك فوضه "حزب الله" بالتحدث باسمه مع السنيورة كتعويض معنوي عن الخسارة الكبرى التي مني بها عقب انتخاب ميشال سليمان. وفي تصوره ان الياس الهراوي واميل لحود وميشال سليمان، قد استولوا على المنصب المعدّ له منذ نهاية عهد أمين الجميل. وهو حالياً يفتش عن دور جديد يحاول بلورته بالتعاون مع "حزب الله"، لأن قطار الرئاسة قد فاته الى غير رجعة!
بقي السؤال الآخر المتعلق بأداء الرئيس الجديد ميشال سليمان، وما اذا كان تهديده بعدم الاشتراك في احتفالات 14 تموز، سيساعد على تسريع تشكيل الحكومة؟!

الغاية من هذا التهديد هي إشعار سوريا بانه يعرف جيداً مدى مساهمتها الخفية في تعطيل عملية التشكيل، وبأنه لا يريد العودة من باريس مع وعد من الرئيس بشار الاسد بان العوائق السابقة قد ازيلت. كما انه يعرف ان زيارة ساركوزي للبنان – ولو لخمس ساعات – قد عبدت امام الرئيس الفرنسي الطريق الى دمشق. صحيح ان فرنسا في نظر الاسد، هي الجسر الذي تصل عبره الى واشنطن… ولكن الصحيح ايضاً ان ساركوزي يريد استخدام هذا الجسر لاجراء مصالحة وطنية بين "فتح" و"حماس"… وبين الشيعة والسنة في لبنان والعالم العربي. ومن المتوقع ان يجني لبنان من هذه التطورات حلاً ديبلوماسياً لمزارع شبعا، عبّر عنه محمد رعد اثناء لقائه السريع مع ساركوزي، ثم جاء خطاب السيد حسن نصر الله ليؤكده.

في باريس يتوقع الديبلوماسيون ان تكون الدعوة والشخصية التي وجهها ساركوزي الى بشار الاسد وميشال سليمان، مناسبة لاعلان حدثين: قبول الرئيس السوري بفتح سفارة في لبنان بعد تردد استمر 85 سنة… وقبول ساركوزي دعوة الاسد لزيارة دمشق بعد مقاطعة طويلة. ويتردد في القاهرة ان مشاركة الرئيس حسني مبارك ستعيد الحوار المقطوع مع سوريا، ويأمل ساركوزي ان تفضي وساطته بين سوريا ومصر الى محو الخلاف مع السعودية.

المتشائمون في لبنان لا يتوقعون حدوث هذا السيناريو لأن اتفاق الدوحة اعاد عملية توزيع القوى مثلما فعل اتفاق الطائف سابقاً. ذلك ان الشيعة حصلوا على حصص كبيرة من السلطة تتناسب وثقلهم الشعبي. والسبب انهم استخدموا قوتهم العسكرية في 7 ايار لكسب مواقع سياسية يمكن ان تغير طابع الدولة بشكل جوهري. وقد لا يمر وقت طويل قبل ان يعلن "حزب الله" فك ارتباطه مع العماد ميشال عون، الذي استخدم في المرحلة السابقة كما استخدم لينين الرئيس الروسي كيرينسكي لمرحلة انتقالية، قبل ان ينقض على القيصر وحاشيته ونظامه!

المصدر:
النهار

خبر عاجل