#adsense

جبهة صنين!

حجم الخط


جبهة صنين!

ما ان تدخل بلدة بسكنتا المتنية، وهي الوحيدة التي بقيت من ضمن المناطق المحررة ابان الحرب الاهلية، حتى تدرك ان سكانها منقسمون، فمنهم من يؤيد ما حصل وآخرون ينفونه نفيًا تامًا. وتلمس جيدا ان السياسة اصبحت تشكل غطاء على وجوه البعض، الى حد التنكر للحقيقة وان رأوها بأم اعينهم.

ندخل فرن العم غريغور في بسكنتا. وما ان نسأل عن حادث صنين حتى تنقسم آراء الموجودين. ومن ثم نعلم ان ايًا من الموجودين لم يصعد يوما الى الجرد. ونتوجه نحو البلدية. وهناك أيضا حال الانقسام، لكننا نلمس ان بعض الأعضاء يخشون على مبنى بلديتهم، فيقول احدهم: "علينا ان نأتي بكلاب بوليسية لتحمي المبنى. ما الذي يمنعهم من تفجيره؟". عندها تدرك خطورة ما يجري في المنطقة. "الفلسطينيون كانوا في الجرد ولم نخف منهم." يصرح احد الاشخاص. "المشاكل بدأت معهم (أي مع حزب الله) من بسكنتا. فلحزب الله عملاء داخل البلدة هنا"، يقول آخر. ومن نافذة البلدية يطل كهل ويقول: "يمكن شباب حزب الله كانوا يتدربون وفوجئوا بأبناء قريتنا فأوقفوهم."

اما رئيس البلدية المحامي سامي كرم، وهو القريب من التيار الوطني الحر، فيحاول تبييض صفحة الحلفاء في حزب الله. فحتى الساعة لا يزال ينتظر التحقيق الرسمي ليؤكد حقيقة ما حصل. ربما معه حق. فتوما لم يدخل السماء الا بهذه الطريقة.

لكن الرئيس روى لنا ان "الشباب كانوا يتنزهون في الجبال، وبعد الانتهاء من الغداء توجهوا الى المقلب الاخر بسياراتهم ذات الدفع الرباعي، وأصبحوا على مقربة من قرى شيعية فيها مسلحون من حزب الله والقومي السوري وآخرون، استشبهوا بهم وأوقفوهم. ولما تبين لهم ان نوايا الشباب سليمة، تم الافراج عنهم بكل احترام، وطلبوا منهم العودة الى بسكنتا".

وتمنى على المراجع الامنية ان تقوم بواجباتها، "لان المواطن اليوم محتار ولا يعرف ما هي الحقيقة". وطالب الجيش اللبناني بإقامة حواجز عسكرية، "فجبل صنين ليس فقط في بسكنتا، بل ويمتد من العاقورة الى شمسطار". ويؤكد ان الحادث لم يحصل كما يشاع بالقرب من المطاعم بل في المقلب الشرقي، اي بالقرب من القرى البقاعية".

توجهنا على الأثر بسيارات ذات دفع رباعي الى مكان الحادث. من منطقة المصاطب التي تعلو 1700م الى تلال قواميع العبد مرورا بحور التنور مسافات شاسعة قطعناها. هناك لا ترى شيئا سوى اللزاب وقطعان الغنم والماعز ومناسف الثلوج. وما ان وصلنا الى سفح الجبل المعروف بمنطقة ضهور فيحان، حتى قال لنا السيد ج. وهو من بين احد الذين تم توقيفهم على ايدي شباب حزب الله: "هذه المنطقة كانت خطوط الجبهة. كل تلك الطرق الوعرة التي سلكناها تم شقها على أيام القوات اللبنانية. كنا ندافع عن قرانا وعن المسيحيين. ولكن ما من احد يقدر ما فعلناه."

وبصوت مرتفع توجه الينا: "من منكم في استطاعته الخدمة في مثل هذه المنطقة الوعرة؟ في الشتاء تصل سماكة الثلوج الى اكثر من عشرة امتار. كنا وزملائي نبقى احيانا لصد اي هجوم محتمل. كثيرون الشباب استشهدوا هنا ولم نجد جثثهم."

ونحن متوجهون الى منطقة فيحان حيث حصل الحادث، لفتنا راعي ماعز، فسألناه ما حصل في الايام الماضية: "انا هنا وحيد. انتو فالين وانا باقي مع قطيعي، لكن الشاب الذي هو معكم كان قد مات هو واصدقاؤه. لقد خطفهم شباب حزب الله. هم يمرون من هنا يوميا ولا ندري ماذا يفعلون. لا نتعاطى معهم. نتحاشاهم لأنهم قد يضرونا. لكن لديهم وجودًا مسلحًا ونلاحظ تحركات عسكرية. إنما بعدما أثير الحادث في الاعلام لم نر اي شخص منهم".

أكملنا المشوار. وها هو سهل البقاع يطل: منطقة حزرتا، زحلة، قاع الريم. نقف لحظة، ويقول لنا السيد ج. م: "كنت عنصرا في القوات، وقلت انني لا اريد البندقية بل الدولة. ولكن اين هي اليوم؟ فبعدما بلغنا القوى الامنية عن الذي جرى معنا لم نر احدا. المخابرات لا تملك سيارات ذات دفع رباعي للمجيء الى المنطقة وفتح تحقيق، والدرك قالوا لنا من سيحمينا اذا صعدنا الى مكان الحادث!".

في مكان الحادث أوقف السيد ج. م الجيب وترجل: "كنا خمسة شباب، وكنا نقوم بمشوار غداء وصيد، وغالبا ما نقوم بذلك. صعدنا الى الغرفة الفرنسية ومن ثم اخذنا طريقا أخرى تتجه نحو منطقة طيرحان يوجد خيم للرعاة وبئر ماء. وما ان وصلنا الى هناك حتى بدأ القنص علينا من وراء الصخور. زملائي في الجيب الآخر احتموا بخيمة راعٍ. وانا لم اتوقف الى ان وصلت الى خيمة راعٍ آخر. سألته لماذا يطلقون النار ومن هم، فقال انهم شباب المقاومة. توجهت الى تلة اخرى، فرأيت زملائي يرفعون أيديهم في الهواء وشخص غريب يقود سيارتهم. ولما توجهت مجموعة من حزب الله نحونا سيرا، قال لي زميلي: عد انت الى بسكنتا، اما انا فسأسلم نفسي. وهذا ما حصل."

ويضيف السيد ج: "بعد اخلاء سبيل اصدقائي، قال لي احد زملائي: سألته لماذا تقنص عليه، فرد قائلا: لماذا يهرب؟ فأجبته: انه خائف، اتركه."

على مقربة من المكان كان يقف راعي ماعز آخر من عرسال. توجهنا صوبه لنسأله عما اذا كان يعلم شيئا، فقال: "انا كنت في الجرد، لكن امرأتي واولادي اخبروني بما حدث. انها ليست اول مرة يقوم بها هؤلاء بهذا. منذ فترة اتت عصابة وطوقتنا. واخذوا احد الرعيان. حلقوا له ذقنه ووجهه. لقد هرّبناه بعدما عرفنا انهم من حزب الله. كان لديهم مركز عسكري هنا، لكن بعد الحادث لم نعد نرى ايًا منهم."

وأضاف رافضا اعطاء اسمه وحتى أخذ صورة له: "هذا الجرد يشهد أجواء غير طبيعية طيلة الاشهر الماضية. لا ندري ماذا يفعلون وماذا يخططون."

فيرد السيد ج. م: "انا اقول ماذا يفعل حزب الله. انه يحاول ان يأخذ نقاطا استراتيجية في الجبال. ويتذرعون بأنهم خائفون من اليهود. فهل نحن يهود ليوقفونا؟"

ويضيف: "من ينفي الحادث ما عليه الا ان يأتي الى الجرد ليتحدث مع الشهود الرعيان. هم يحاولون تكذيب الامور لأغراض سياسية. هم حلفاء مع حزب الله ويحاولون تلطيف صورته."

لا تبدو علامات الاضطراب على اهالي بسكنتا فقط بل وعلى الحال الاقتصادية للمنطقة المشهورة بمطاعمها وفنادقها. فحركة السياح معدومة بسبب ما جرى. لكن يبقى سؤال اخير: أليس أمام حزب الله سوى تعطيل موسم المطاعم. من بيروت وصولا الى الجبل؟

لكن العبرة الاخيرة تبقى ان كلام الرعيان أصدق من حجج الرؤساء.

تصوير: وسام مسلم

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل