سورية ولبنان وفرنسا: غرام وانتقام
العلاقات بين فرنسا وسورية ولبنان، ثنائياً او ثلاثياً، تتأرجح منذ استقلال البلدين العربيين عن الانتداب الفرنسي بين النقيضين. فهي علاقات جيدة وحتى متميزة او علاقات متوترة. وتنتقل من الغرام الأقصى إلى الانتقام الأقصى بمقدمات قليلة لا تفسر وحدها هذه الحدية في العلاقات التي يُفترض ان تسود بين دول لها تاريخ ومصالح مشتركة. والتي يُفترض ان تكون تراكمية، على نحو تحافظ فيه على مستوى متصاعد من التعاون وتبادل المصالح، بدلاً من الانتكاس الى الصفر. ومن دون مقدمات كثيرة ايضا، تشهد هذه العلاقات فورة من الحماسة والتقارب لا يبدو انه استفاد من مرحلة الانحسار.
ميزة أخرى لهذه العلاقات، وهي ان المسألة اللبنانية تبقى في خلفية المشهد، ولو في حال ضمور، حتى عندما يتعلق الامر بقضايا فرنسية – سورية ثنائية وتقنية، مثل التعاون في الاصلاح الاداري او التعاون الثقافي. وهذا يعني ان العلاقات الثنائية في هذا المثلث ما تزال تختزن كثيرا من العواطف واللاعقلانية ترتبط بمرحلة تشكيل الدولتين السورية واللبنانية، برعاية فرنسية، قبل اقل قليلا من قرن من الزمن. ولم تتجاوز بعد هذه العلاقات صدمة هذا التشكل، لتتحول علاقات طبيعية بين دول مستقلة من المفترض ان يكون تاريخها حافزا على توسيع دوائر التعاون والتصالح.
وهذه الايام تشهد مرحلة جديدة، على وصف وزير الخارجية السوري وليد المعلم لمناسبة وجوده في باريس للاعداد لـ "الزيارة التاريخية" للرئيس الاسد ولقائه نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي على هامش القمة المتوسطية بعد اسبوع. عنوان هذه المرحلة انتقال العلاقة السورية – الفرنسية من التناحر الى التفاهم، واستعادة التنسيق والتعاون. وهذه الايام تشهد ايضا تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وهي الخطوة التي تسهل الانفتاح الفرنسي على سورية، وتضع حدّا للتحفظات السورية عن الحكم في لبنان.
بكلام آخر، باتت الظروف مواتية لانتقال العلاقة السورية – اللبنانية من مرحلة الخلاف وتبادل الاتهامات الى مرحلة عودة التطبيع اليها. ومن الواضح ان شرط إنضاج هذه الظروف هو تجاوز صدمة تشكل الدولتين السورية واللبنانية، اي اقامة العلاقات الديبلوماسية على اساس الاستقلال الكامل لكل منهما. ومن الواضح ايضا، بحسب تصريحات سورية عدة، ان دمشق باتت مستعدة لإقامة مثل هذه العلاقة. وآخر هذه التصريحات ان الخطوة ستكون بعد تشكيل الحكومة اللبنانية.
في موازاة ذلك، يظهر من الحركة الديبلوماسية السورية ان ثمة اعادة تقويم للاهداف السورية. وبغض النظر عن الدوافع التي تنسب الى هذه الخطوة والمدى الذي يمكن ان تصل اليه، اقدمت دمشق خلال الشهور الاخيرة على خطوات لم تكن في حسابات احد، من حضور مؤتمر انابوليس الى تسهيل الحل في لبنان مرورا بالمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل.
هكذا تتجمع في مرحلة زمنية قصيرة كل العناصر الاساسية التي تدفع الى القيام بما كان ينبغي القيام به قبل اكثر من نصف قرن، اي التبادل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق، ولتسلك علاقات البلدين الجارين المسلك الطبيعي بين اي بلدين مستقلين تجمعهما معطيات ومصالح اكثر من مجرد حدود. ومع هذه الخطوة تستقيم العلاقات السورية – الفرنسية، وتخرج من اطار التعامل الظرفي لترسو على اسس صلبة، وذلك بتخلصها من الهاجس اللبناني والاعتراف السوري باستقلال لبنان.
بالتأكيد، يتضمن جدول اعمال لقاء الاسد وساركوزي قضايا كثيرة ومهمة، ثنائية واقليمية، بينها لبنان. ومن غير المستبعد ان تشهد باريس القمة اللبنانية – السورية الاولى في عهد سليمان. واي ظرف افضل من هذه الاجتماعات لإعلان التوافق على بدء الخطوات العملية لتبادل التمثيل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق. ولتخرج العلاقات المعقدة والمضطربة بين دول هذا المثلث من شرنقة الصدمة الاولى الى رحابة العلاقات الدولية الطبيعية.
عبدالله اسكندر