عون أطلق من "الرويال" نظرية "في شرائح المجتمع اللبناني" المتفاوتة الحضور والجهوزية والفهم
جبهة "وصية" على الرئاسة و"وصيفة" لأشرف الناس
التخوين الملطّف يبقى تخويناً. اللطف فيه يزيد من استعصاء الحوار الوطني. من هذا القبيل بعض ما نطق به العماد ميشال عون في "الرويال". فإذ امتنع الجنرال عن تخوين الشخصيات السياسية المنافسة له أو المتخاصمة معه، وعدل عن النبش الانتقائي في ماضيها، الا أنه اختار تخوين "شرائح" برمّتها.
قال بلهجة يقينية تقريرية لا تقبل المراجعة أو التصويب: "أثبتت الأحداث الكبيرة في الشرق الأوسط من العراق إلى فلسطين مروراً بحرب تموز أن شرائح المجتمع اللبناني لم تكن على المستوى نفسه من الحضور والجهوزية والفهم لما يجري، ولتداعياته على الساحة اللبنانية، مما أحدث مضاعفات سياسية هزّت مجتمعنا وأدخلته في جو من الشك الممزوج بالخوف".
التباهي بالمرتبة الثانية
هذه أخطر فقرة سجّلها الخطاب العوني. هي تجعل الوطنية درجات، وتوزّع الدرجات على الطوائف والمذاهب. صفوة القوم أبناء الشريحة الأكثر استعداداً من حيث "الحضور والجهوزية والفهم" لمواجهة تداعيات الأحداث الكبيرة، هؤلاء هم "أشرف الناس"، ثم يأتي بعد ذلك معشر الموالين لصفوة القوم و"المتفاهمين" معهم أو المعتصمين بحبلهم، ويليهم الأكثر تأرجحاً أو تردّداً أو من كانت تعوزه الحجّة، ثم الحيارى والتائهون فالقاعدون والخاملون، ودونهم مرتبة المغرّر بهم أو المضلّلون، ثم الحاقدون لا لشيء أو لحين، ثم المشتراة ذممهم وأهل الارتزاق والدجّالون، ثم ثلّة أولى فثانية فثالثة من المتآمرين والخونة والعملاء المفضوحين.
هكذا يقسّم المجتمع اللبناني وفقاً لنظرية ميشال عون في "الشرائح" المتدرّجة من أقصى الوطنية و"الجهوزية" إلى أقصى العمالة. وجه المفارقة تفاخر أهل "اللقاء" بأنهم يتحوّلون بإعلانه إلى "شريحة من الدرجة الثانية"، مباشرة بعد أشرف الناس. وجه العزاء أن شرائح كثيرة تبقى دونهم مرتبة في سلّم الأهلية والوطنية.
تجهد "الطليعة العونية" لأجل التوفيق بين منزلتين لها، فهي "وصية على الرئاسة" من ناحية، ووصيفة "لأشرف الناس" من ناحية أخرى.
لطالما كانت كلّ "شريحة" في المجتمع اللبناني تجنح للتباهي بأنها الأكثر نباهة وشجاعة ومكنة. لكن الجديد في "شريحة الرويال" تفاخرها بأنها "تحل في المرتبة الثانية" على صعيد البلد، بعد "أشرف الناس"، وإن كانت لها الكلمة الأولى في دائرة المسيحيين.
عون والعراق
اختار العماد عون لحظة اعلان "اللقاء المسيحي الوطني" للتصعيد النوعي في اللهجة حيال السياسة الأميركية في المنطقة، ذاهباً إلى أن الدفاع عن "حقوق المسيحيين" يكون بانخراطهم في مشروع مقاومة القوة العظمى على صعيد الآخر. المعادلة هي التالية: حصة أكبر يمكن أن يغنمها المسيحيون اللبنانيون في الدولة إذا تنازلوا عن "الشخصية" التي طبعت منطق تعاطيهم مع العلاقات الدولية والنزاعات الإقليمية على امتداد القرن العشرين.
يخفّف هذا التصعيد العوني النوعي ضد اميركا، من "غرابة" خطاب "حزب الله" بصدد الولايات المتحدة الأميركية قياساً على عموم المجتمع السياسي اللبناني. ليس في هذا المجتمع من أوهام حول انحيازات أميركا في المنطقة لاسرائيل، لكن "حزب الله" وحده من بين كل التيارات السياسية الأساسية والممثلة برلمانياً في لبنان هو من يصنّف أميركا "عدواً" له أو تصنفه أميركا "كعدو" لها. هذا بطبيعة الحال عنوان خلافي كبير مع "حزب الله" لأن السياسة الخارجية لا تبنى على قاعدة "صديق عدوي هو أيضاً عدوي"، ولا تناقض بين اجماع اللبنانيين على "العداء" لدولة اسرائيل وبين حرص الدولة اللبنانية والمجتمع السياسي اللبناني على الصداقة اللبنانية ـ الأميركية، فلا يسع لبنان أن يعامل الدولة العظمى كـ"شيطان أكبر"، زد أنها تضم واحدة من كبرى وأعرق الجاليات اللبنانية في المهجر.
بات العماد عون يتقاسم "العداء لأميركا" مع "حزب الله" إلا أنه ما زال يحرص على التمييز بين نمطين من بذل هذا العداء، نمط يختاره لتياره وللقاء المتحلّق حوله، ونمط يجسّده حليفه. يحصر عون دائرة "العداء لأميركا" في شق سياساتها في المنطقة، في حين يظهر "حزب الله" عداءه لهذه الدولة على مستوى وجودي وثقافي.
لكن الخطاب العوني لا يتوانى عن تجسير الهوة الفاصلة بين ما هو عداء "سياسي حصراً" لأميركا (نسخة "الرويال")، وما هو عداء "وجودي مطلق لها" (نسخة "حزب الله") من خلال دعم "المقاومات" جميعها على امتداد المنطقة. يقول الجنرال: "وإذ نعارض الإدارة الأميركية في ما يتعلق بسياستها الشرق أوسطية التي تسببت بتشتيت الكثيرين من الفلسطينيين والعراقيين بصورة عامة، ومن المسيحيين منهم بصورة خاصة، نؤكّد أن ما نقوم به هو ممارسة حق مشروع للدفاع عن وجودنا لأنه ليس من الطبيعي أن تقوم الدولة العظمى الوحيدة في العالم بتهديد وجودنا مقابل مصالحها مهما عظمت هذه الدولة وكبرت مصالحها".
يلفت في هذا المجال دخول العماد عون على الوضع العراقي. هو يرد سبب تصعيده الاستراتيجي ضد المشروع الأميركي إلى ما يقوم به هذا المشروع في العراق، وكما يدعم المقاومة في لبنان فإنه يدعم مقاومة مماثلة في العراق، ومثلما يتخوف على وجود مسيحيي لبنان فهو يتخوّف أكثر على من بقي من مسيحيين في العراق. لكن ما هي تلك "المقاومة العراقية" التي يعتدّ بها "حزب الله" و"التيار العوني" في لبنان؟، أليست شتات البعث وفدائيي صدام وتنظيم القاعدة وبقايا "جيش المهدي"؟، وما هو مشروع هذه "المقاومة العراقية" حيال مسيحيي العراق؟، هجمات انتحارية وكنائس تدك على المصلّين ومدافن تجرف. أي حدود دولية غرب الموصل يعبرها المسلّحون والانتحاريون لارتكاب الجرائم بحق الأشوريين والكلدان؟، من خطف وذبح المطران بولس فرج رحو؟، وماذا عن "جيش المهدي" الذي يفرض أحكام الجزية على سكان مسيحيين في مناطق تحت سيطرته؟.
ثم أي الشرائح في لبنان كانت الأكثر شجباً وتأذياً من الغزو الأميركي للعراق عند حصوله، وإن لم تزايد بعد ذلك على العراقيين وشجعتهم على الانخراط في العملية السياسية وعلى تثمير المخاض الوطني العام وإبعاده عن دائرة العنف قدر المستطاع؟، إنها الشرائح التي هي من صلب 14 آذار، وإنها قبل كل شيء مواقف الرئيس رفيق الحريري الموثقة من أول يوم سقطت فيه بغداد وإلى يوم استشهاده.
هذا في حين حرّرت كتابات وتنظيرات أشاعت منذ 2003 أن الغزو الأميركي للعراق هو فرصة لبناء امبراطورية نووية ساسانية مناوئة للغرب تطمس في الوقت عينه عروبة هذه المنطقة الفاصلة بين ايران والبحر الأبيض المتوسط.
والعماد عون نفسه، ما هو موقفه من غزو العراق في نيسان 2003؟، إنك تجده في 18 أيلول 2003، أي بعد خمسة أشهر على سقوط بغداد، أمام اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية في مجلس النواب الأميركي وهو يتعامل مع الحدث على أنه تأسيسي ويمكن البناء عليه لتحرير لبنان ومحاسبة سوريا.
بل إن العماد عون وهو في عزّ تصعيده الكلامي ضد جورج بوش الابن، ما زال يؤكد أن الانسحاب السوري لم يحدث نتيجة للغضب المتولد من فرض التمديد لإميل لحّود بالعسف والقهر، ولا نتيجة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا نتيجة للانتفاضة الشعبية التي خرجت تطالب بالاستقلال كما الحقيقة. انه كما أنصار الوصاية السورية، يفسّر انسحابها بـ"قانون حرية لبنان ومحاسبة سوريا" الصادر عن الكونغرس الأميركي. هذا مع فارق أن أنصار الوصاية يرفضون "قانون المحاسبة" ويتحالفون مع من يعتبر نفسه "عراباً" له، في حين أن الجنرال يتبنى هذا "القانون" لكنه جعله توطئة للتحالف مع أنصار تلك الوصاية.
..عام 1990 زحف العماد عون على السفارة الأميركية في عوكر وأقفلها في عزّ رهانه على مشروع صدام حسين لتغيير وجه المنطقة. عام 2003 أسف العماد عون لسقوط صدام حسين في بغداد، لكنه آثر الاستفادة من هذا المشهد لما فيه خير لبنان فكان نجماً في الكونغرس. عام 2008، ختم العماد عون ملف "مواقفه من الولايات المتحدة" بأن خلص إلى أن دفاع مسيحيي الشرق عن حقوقهم يمرّ من خلال انخراطهم في مشروع المقاومة "النجادية" للمعاهدة الأميركية ـ العراقية.