#adsense

لا حوار ناجحاً مع رهانات خارجية

حجم الخط

لا حوار ناجحاً مع رهانات خارجية

للحوار الوطني في الدول المتقدمة والمستقرة والديموقراطية وطبعاً السيدة والمستقلة مكانان طبيعيان هما مجلس الوزراء ومجلس النواب. أما في الدول الديكتاتورية سواء كان العسكر حاكمين فيها أو رجال العقائد أو رجال الدين فإن الحوار الوطني مفقود. أولاً، لأن لا حاجة اليه، ذلك ان القائد فيها ملهم وعبقري ومتمتع بقدرات الهية حيناً. وثانياً، لأن لا مؤسسات فعلية فيها اختارتها الشعوب بالانتخاب المباشر والحر ولأن القوانين المطبقة فيها استثنائية دائماً. وثالثاً، لأن الشعوب لا تعرف اجمالاً مصالحها ولذلك فإنها تسلم امورها الى النخب التي غالباً ما تكون منغلقة. علماً ان هذه النخب تستخدم احياناً نخباً حقيقية اي تستحق اطلاق صفة النخب عليها ولكن بعد ان تسلبها ارادتها وتحيلها عبدة للاهواء والمصالح والمادة.

أين لبنان من فريقي الدول هذين؟
الحمد لله أنه رغم كل المصائب التي حلت به منذ 1975 لم يصبح بعد على الاقل دولة ديكتاتورية رغم المحاولات الكثيرة التي بذلها لضمه الى نادي هذا النوع من الدول بعض من أبنائه حيناً وبعض اشقائه حيناً وبعض من اصدقائه حيناً واعداؤه في كل الاحيان. والحمد لله انه لن يصبح يوماً عضواً في هذا النادي ليس لتزايد الوعي الوطني لشعوبه بل لتعدد طوائفه ومذاهبه، والذي لا يسمح لأي منها بالانفراد في حكمه وتالياً بقمع الآخرين وقهرهم. لكن ذلك لا يعني ان لبنان ينتمي الى نادي الدول المتقدمة والمستقرة والديموقراطية وطبعاً السيدة والمستقلة. ذلك ان دولته قائمة على الورق وغائبة عن الفعل والممارسة. ومؤسساته الدستورية اما متخاصمة واما مشلولة أو الأمران معاً. أما لبنان الوطن فساحة للخارج المتنوع ولبنان الشعب شعوب وادوات لهذا الخارج. وطبيعي في حال كهذه أن يضرب الأمن ويتزعزع الاستقرار وان يكون قدر اللبنانيين ان يبقوا دائماً على شفير الحروب.

لماذا اثارة هذا الموضوع اليوم؟
لأن لبنان ينتظر بعد السنوات التي بدأت عام 2005 بكل التطورات الايجابية والسلبية التي حصلت خلالها من انسحاب سوريا منه وسيطرة فريق 14 آذار واغتيالات وتفجيرات واستعادة فريق 8 آذار حليف سوريا وايران القوة وتحقيقه التوازن مع الفريق الآخر ثم بداية تفوقه عليه ! لأن لبنان بعد كل ذلك ينتظر الحوار الذي صار في حاجة اليه. وهذا ما تم الاتفاق عليه وذلك في محاولة قد تكون اخيرة لتلافي انفراطه وسقوطه من جديد فريسة الحروب وتقسيمه لاحقاً جوائز ترضية على القوى الاقليمية العدوة والشقيقة في الدين في العروبة. ولأن الحوار لا يمكن ان يبدأ الا بعد تأليف الحكومة الاولى للعهد الرئاسي الجديد ولكن ليس داخلها أو داخل مجلس النواب وإنما في مقر الرئاسة وبدعوة من رئيس الدولة وبادارة مباشرة له منه. فعلى الحكومة مسؤوليات تنفيذية عدة. والحوار يتطلب وقتاً واختصاصاً واصحاب قرار ونجاحه يفتح ابواب النجاح أمام الحكومة. اما فشله فيفتح لها أبواب الفشل كما يفتح ابواب الجحيم أمام البلاد.

ما هي الموضوعات – الأزمات – المشكلات التي يفترض أن يناقشها مؤتمر الحوار في قصر بعبدا الرئاسي؟
هي كثيرة ومعروفة. وهذا على أهميته ليس مهماً. انما المهم هو ان يتخلى المتحاورون اذا كانوا صادقين عن الباطنية في حوارهم وان يصرحوا بما يزعجهم أو يخيفهم وأن يطرحوا ما يريحهم وان يبحثوا بعد ذلك في ما يريح الجميع أي الوطن ويزيد منعته ويرسخ استقلاله ويبعد كل الايادي عنه شريرة كانت أو غير شريرة. فالمسيحيون مثلاً يجب ان يطرحوا مشكلاتهم واقتراحات لحلها لا ان يكتفي بعضهم بالعمل لتشكيل محور مع الشيعة يحكم البلاد على حساب الأخرين وبعضهم الآخر بالعمل لتشكيل محور مع السنة ليحكم الآخرين، هذا فضلاً عن اكتفاء الفريقين بالتفرج على الصراع السني – الشيعي بل بالاستمتاع به. اذ بذلك تنتهي البلاد وينتهون هم معها. وعلى الشيعة والسنة ان يتجنبوا المجاملات وشعارات الاخوة وان يصرحوا بحقيقة هواجسهم وان يتفقوا على معالجات جذرية لها. اما الدروز فهم كالمسيحيين دورهم كبير اذا كان جامعاً. وسيكون صغيراً كما سيصغر باستمرار اذا كان صغيراً.

في اختصار ستكون على جدول أعمال مؤتمر الحوار موضوعات مهمة. الا ان ابرزها سيكون استعادة الوطن وبناء المؤسسات واقامة ديموقراطية واستقرار ومساواة وعدل… وذلك لن يكون ممكناً اذا لم يتصد المتحاورون لقضايا عدة ابرزها ثلاث. الاولى، المال غير الشرعي المتدفق من كل حدب وصوب على الطوائف والمذاهب والسياسيين والاحزاب وذلك بغية تنفيذ اجندات خارجية على حساب لبنان ومصالحه. والثانية، السلاح الذي انحصر تدفقه في السنوات الكثيرة الماضية بفريق واحد وهو الآن يتدفق على الجميع حماية لمصالح داخلية وخارجية لا علاقة لها بلبنان الوطن. والثالثة، الإعلام الذي صار في غالبيته مسيراً بالمال والعصبيات المتنوعة الأمر الذي جعل أثره خطيراً على البلاد. وأي اخفاق في معالجة هذه القضايا يبقي البلد على طريق المجهول. في حين ان اي نجاح من شأنه ان يسمح بالتوصل الى حلول للمشكلات الاخرى المهمة جداً بدورها. والمهم في الحوار ان لا يُدخل المتحاورون رهاناتهم الاقليمية والدولية معهم الى الطاولة (مثلاً رهان توجيه ضربة عسكرية الى ايران او ربما سوريا او ربما "حزب الله" أو رهان هزيمة اميركا في العراق والمنطقة وبدء تراجع دول عرب الاعتدال وعدم استقرارها). ذلك انهم لا يعرفون فعلاً ماذا وراء كل رهان وكيف يمكن ان يتطور.

المصدر:
النهار

خبر عاجل