صيغة لا غالب ولا مغلوب تنهيها نتائج الانتخابات النيابية المقبلة
الأكثرية تحكم والأقلية تعارض تطبيقاً للنظام الديموقراطي
العودة الصحيحة الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة سليمة وتطبيق احكام الدستور نصا وروحا تنهي الكلام على "الديموقراطية التوافقية" وعلى شعار "لا غالب ولا مغلوب" وعلى "الثلث المعطل" وهو كلام لم يألفه اللبنانيون من قبل اذ كيف تكون "ديموقراطية توافقية" و"لا غالب ولا مغلوب" عندما يفوز حزب او احزاب مؤتلفة باكثرية المقاعد النيابية، وعندما تتألف الحكومة من هذه الاكثرية؟
هذه الديموقراطية الصحيحة مارسها لبنان منذ عهد الاستقلال من خلال الانتخابات ونتائجها، فنم يفوز فيها باكثرية المقاعد يكون له الحكم بدءا برئيس الجمهورية ومرورا برئيس مجلس النواب وانتهاء بالحكومة والاقلية تعارض. فالكتلة الدستورية فازت في مستهل عهد الاستقلال على الكتلة الوطنية باكثرية المقاعد فانتخبت الشيخ بشارة الخوري رئيسا للجمهورية، وصبري حماده رئيسا لمجلس النواب ورياض الصلح رئيسا للحكومة والاكثرية النيابية هي التي انتخبت كميل شمعون رئيسا للجمهورية، وعادل عسيران رئيسا لمجلس النواب والامير خالد شهاب رئيسا للحكومة، والاكثرية النيابية هي التي انتخبت اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية، صبري حماده حينا وكامل الاسعد حينا آخر لرئاسة مجلس النواب ورشيد كرامي لرئاسة الحكومة، وانتخبت الاكثرية شارل حلو رئيسا للجمهورية والحاج حسين العويني رئيسا للحكومة، وانتخبت الاكثرية سليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية، وصائب سلام رئيسا للحكومة.
واخذت الديموقراطية في التراجع مع دخول لبنان "العصر السوري" في التراجع حتى الآن مع بقاء رواسب هذا العصر، لتصبح انتخابات رؤساء الجمهورية بالاجماع او بشبه الاجماع وكذلك رئيس مجلس النواب اذ لا منافس له. ويتم تشكيل الحكومات بدون الاخذ بقاعدة الاكثرية والاقلية، لان الوصاية السورية هي التي كانت تتولى تشكيلها وتؤمن النصاب لها لا بل تمنع عنها الاستقالة او تفرضها ساعة تشاء.
وفقدت الديموقراطية وجهها الصحيح عندما فقدت الانتخابات النيابية الحرية والنزاهة والشفافية وباتت الاكثرية لا تمثل الارادة الشعبية الحرة، وحل محلها الكلام على "الديموقراطية التوافقية" وعلى "الثلث المعطل" وعلى حكم اللاغالب واللامغلوب مع ان تطبيق الديموقراطية تطبيقا صحيحا يفرض وجود اكثرية نيابية غالبة بنتيجة الانتخابات واقلية مغلوبة، هذه تحكم وتلك تعارض وهو ما درج عليه لبنان منذ الاربعينات حتى السبعينات، ففاز الشيخ بشارة الخوري على منافسه اميل اده فكان غالب في السياسة ومغلوب. وفاز كميل شمعون بالرئاسة وهو خصم لسلفه وكان ايضا غالب ومغلوب، وفاز اللواء فؤاد شهاب برئاسة الجمهورية وهو خصم لسلفه، فكان ايضا غالب ومغلوب. ثم كانت معركة الغالب والمغلوب بين الشهابيين الذين دعموا مرشحهم الياس سركيس للرئاسة الاولى والمعارضة التي دعمت مرشحها سليمان فرنجيه، وتوالت بعد ذلك معارك الغالب والمغلوب في الانتخابات الرئاسية وذلك بفوز الشيخ بشير الجميل بمنصب الرئاسة الاولى ثم بفوز شقيقه الشيخ امين خلفا له بعد اغتياله، وتم الاتفاق في لقاءات الطائف على ان يكون رينه معوض رئيسا للجمهورية لانه الاكثر اهلية من سواه لتنفيذ اتفاق الطائف، واتى بعد اغتياله الياس الهراوي رئيسا للجمهورية ثم العماد اميل لحود بقرار سوري وشكل انتخاب كل منهما شعورا لدى فئة لبنانية بانها مغلوبة سياسيا. وانتهت لقاءات الدوحة بالاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بشبه اجماع لان الاكثرية النيابية لم تتمكن ان ايصال مرشح منها للرئاسة الاولى لان الاقلية مارست دور المعطل للانتخابات من خلال تغيب نوابها عن حضور الجلسات المخصصة لانتخاب الرئيس للحؤول دون تأمين نصاب الثلثين مع الاعتراض الشديد على انتخاب رئيس بالاكثرية المطلقة والتهديد بالويل والثبور وعظائم الامور اذا تم هذا الانتخاب.
والسؤال المطروح هو: هل يمكن عودة لبنان الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة وتطبيق احكام الدستور نصا وروحا تطبيقا دقيقا وكاملا، وانهاء الكلام على "الديموقراطية التوافقية" التي هي نقيض الديموقراطية الصحيحة التي تفرز بنتيجة الانتخابات النيابية اكثرية واقلية فتحكم هذه وتعارض تلك، وانهاء الكلام ايضا على "الثلث المعطل" المخالف لاحكام المادة 65 التي تنص على اتخاذ القرارات في المواضيع الاساسية وعددها 14 بموافقة ثلثي عدد الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها اذا تعذر التوافق على اتخاذها؟
ثمة من يقول، حتى في صفوف المعارضة، ان الاكثرية التي تنبثق من الانتخابات النيابية المقبلة، هي التي تحكم والاقلية تعارض بحيث تعود عندئذ الممارسة الديموقراطية الصحيحة التي كانت تمارس في الماضي، ربما اعتقادا من المعارضة نفسها انها هي التي ستفوز باكثرية المقاعد في الانتخابات المقبلة، وقد يتغثر رايها اذا حصل العكس فتعود الى الكلام على "الديموقراطية التوافقية" وعلى "الثلث المعطل" وعلى اللاغالب واللامغلوب…
لذلك يمكن القول ان الانتخابات النيابية المقبلة هي انتخابات مفصلية بنتائجها، وهي التي سوف تحدد خيارات لبنان محليا واقليميا ودوليا، ولكي تكون اهلا لتحديدها ينبغي ان تكون حرة ونزيهة وشفافة وان تجرى على اساس قانون عادل ومتوازن يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، وان لا شيء يضمن نزاهة الانتخابات وسلامتها سوى حكومة حيادية من مستقلين لا مرشحين بين اعضائها وليس حكومة اعضاء مرشحون متنافسون يسخرون الوزارات التي يتولونها لمصالحهم الانتخابية ولخدمة انصارهم ويحولون الزفت الذي ينبغي ان يكون لطرقات كل بلدة زفتا انتخابيا تستفيد منه فئة من دون اخرى حتى ولو ظلت حالة لبنان واللبنانيين "زفتا" وان تجربة ما يسمى حكومة "وحدة وطنية" وهي في الواقع حكومة ائتلافية، لان لا وحدة تجمع بين اعضائها ولا وطنية بمفهوم واحد.