فرصة تاريخية .. وميشال سليمان ضمانة!
إنها لعبة تكبيس الأزرار التي استنسخت لعبة الأمم، التي عرفناها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي إبان احتدام الحرب الباردة بين العملاقين الجبارين: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي!
إنها لعبة تكبيس الأزرار التي حوّلت الوطن الصغير إلى ساحة مواجهة وتنافس بين اللاعبين الكبار، الإقليميين والدوليين، وجعلت من اللبنانيين وقياداتهم بيادق تحرّكها الأيدي الخارجية وفق مصالحها، وتعاملت مع الملف اللبناني كورقة ضغط تتناتشها الصراعات المحتدمة على النفوذ وبسط الهيمنة على مقدرات المنطقة!
بالأمس، اقتضت المواجهات المحتدمة، إقليمياً ودولياً، بتعطيل الحياة السياسية في البلد المعذّب، فكان الاعتصام في قلب العاصمة، وتحوّلت حكومة المقاومة إلى حكومة بتراء، وبين ليلة وضحاها أصبح رئيسها فاقداً للشرعية، وارتفعت لغة التخوين والتهديد، وتفاقمت موجات التجييش الطائفي والمذهبي، وتكرّرت الاحتكاكات الشبابية في الجامعات والشوارع، إلى أن كاد الجميع يسقط في هاوية الفتنة إبان أحداث أيار الأسود في بيروت والجبل.
وإلى جانب كل هذه التطورات الدراماتيكية، فرضت مقتضيات الصراعات الخارجية إبقاء الفراغ في رئاسة الجمهورية ستة أشهر كاملة، بقي خلالها لبنان دولة بلا رأس يستطيع لعب دور الحكم بين السياسيين المتصارعين في ما بينهم، والمنقسمين بين مواقع الصراعات الخارجية.
أما اليوم، فقد اقتضت الانفراجات الحاصلة في علاقات أطراف إقليمية ودولية فاعلة على الساحة اللبنانية، والتي ستبلغ ذروتها بعد أيام في الزيارة المرتقبة للرئيس السوري بشار الأسد إلى باريس، بطيّ صفحة التأزم في الملف اللبناني، والسماح بإعادة تطبيع الحركة السياسية في البلاد، بعد سنتين ونيّف، من المخاضات الصعبة، التي هدّدت تماسك الصيغة وسلامة الكيان··!
وجاءت كبسة الزر الخارجية، لتُزيل كل العقد من درب تشكيل الحكومة، لا سيما العقد العونية السيادية منها وغير السيادية!! ولتوقف حفلات التراشق بالخيانات وشتى الاتهامات ضد الرئيس فؤاد السنيورة، ولتفتح أبواب اللقاءات المرتقبة بين قيادات الأكثرية والمعارضة، وخاصة قيادتي المستقبل وحزب الله، بعد إصرار على الرفض من قبل الطرف الأخير استمر أشهراً عجافاً!!
* * *
ورغم موجة التفاؤل السارية حالياً باقتراب ولادة حكومة العهد الأولى، يبقى من حق اللبنانيين أن يتساءلوا عن مدى جدّية الضمانات المتوفرة، من الأطراف الخارجية المعنية بالوضع اللبناني، بترك الحركة السياسية اللبنانية تسير في دورتها الداخلية في إطار التوازنات الوطنية المعروفة منذ فجر الاستقلال، وبالتالي إفساح المجال للعهد الجديد بالانطلاق في ورشة إعادة ترميم هيبة الدولة، وتعزيز مرافقها العامة، واستعادة ثقة اللبنانيين بوطنهم والسلطة الشرعية العادلة والقادرة على فرض الأمن وحماية السلم الأهلي من رياح الفتن والصراعات المقبلة من الخارج.
ولعل أكثر ما يخشاه اللبنانيون أن تكون خطوة الإفراج عن تشكيل الحكومة العتيدة أشبه بعملية الإفراج عن انتخابات رئاسة الجمهورية التي تمت إثر اتفاق الدوحة، ووسط دعم وحضور عربي ودولي غير مسبوقين، ورغم ذلك فقد تمت فرملة انطلاقة عهد الرئيس ميشال سليمان من خلال العقد المفتعلة التي وُضعت أمام تشكيل حكومة العهد الأولى.
فهل يتم تشكيل الحكومة العتيدة خلال الساعات المقبلة وقبل القمة المتوسطية واللقاءات المنتظرة في باريس، ويتجدّد ظهور العقد والعرقلات عبر ?خلاف مفتعل حول البيان الوزاري؟
ما هي الضمانات المتوفرة لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة المكلّف، بصفته مرشح الأكثرية النيابية، بسرعة إتمام التوافق على البيان الوزاري والتصويت على الثقة للحكومة الجديدة، بعيداً عن أية مناورات أو عقبات مصطنعة من شأنها أن تحوِّل حكومة الوحدة الوطنية إلى مجرّد حكومة تصريف أعمال لأشهر أخرى؟
ومن يضمن بألا يتحول الثلث المعطل إلى لغم لا يفجّر الحكومة وحسب، بل يعطّل مسيرة العهد من أساسها، وذلك عند أول مفترق خلافي في خطط العمل الحكومي؟
* * *
لا شك في أن العودة إلى خطابات التهدئة والتقارب والحوار هي إحدى نتائج الانفراج الإقليمي – الدولي الحالي، الذي توافق أطرافه على تبريد الساحة اللبنانية، وتهدئة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في غزة، وتوفير المزيد من القدرة للحكومة العراقية لضبط التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها التيار الصدري.
ولا ندري إذا كانت خطابات بعض القادة اللبنانيين الداعية لطي صفحة الخلافات العقيمة، هي إعلان حقيقي لبدء مرحلة جديدة في العمل السياسي الوطني، أم هي مجرّد تعبير مؤقت يواكب الانفراجات الإقليمية – الدولية، ويبقي الوضع اللبناني برمته رهينة العوامل الخارجية تأزماً أم انفراجاً.
ولكن لا بد من التأكيد بأن ثمة لحظة تاريخية سانحة أمام القيادات اللبنانية في حال صدقت النوايا فعلاً، للعبور بالبلد وأهله إلى شاطئ الأمان، بعيداً عن العواصف الدولية والرياح الإقليمية، وذلك من خلال العمل الوطني الجدي والبنّاء لتعزيز التوافق الداخلي وإرساء قواعد السلم الأهلي والعمل الديمقراطي الصحيح على تفاهمات متينة تحفظ للمعادلة الوطنية وتوازناتها الدقيقة سلامتها، وتحسم خيارات العيش الواحد، والانتماء العربي، والابتعاد عن سياسة الأحلاف والمحاور، التي أثبتت الأزمات المتكررة منذ أواسط الخمسينات أن لا قدرة للوطن الصغير على تحمّل تبعاتها.
ومما يُساعد على تعزيز أهمية الفرصة التاريخية السانحة، وجود رئيس وطني في قصر بعبدا يجمع بين المصداقية والحكمة والشجاعة، ويُدرك بالممارسة والخبرة، أن الاعتدال والانفتاح والتوازن هي الأسس الصلبة للصيغة اللبنانية التي سرعان ما تهتز عندما تتعرّض إحدى هذه الأسس للاهتزاز.
والعماد ميشال سليمان الذي عرف كيف يمتص صدمات أحداث السنوات العجاف والذي كان حكيماً باستيعاب حركتي 8 و14 آذار في ذروة الزلزال الذي ضرب الوطن باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي كان شجاعاً في التصدي لظاهرة الإرهاب والقضاء عليها في نهر البارد، والذي كان صبوراً في التعاطي مع مناورات عرقلة انتخابه رئيساً توافقياً، والذي تجلّى اعتداله وانفتاحه على الجميع في خطاب القسم، هو نفسه ميشال سليمان الرئيس الذي يجب أن يشكّل ضمانة وصمّام أمان للجميع، أو بالأحرى لكل من يُؤمِن بأن الدولة هي للجميع، وهي الملاذ الأول والأخير، وأن لا قيمة ولا جدوى لأي سلاح إذا لم يكن سلاحاً للوطن لا على مواطنيه.
* * *
لعبة ?تكبيس الأزرار? أفرجت عن الحكومة اليوم، فهل تُفرج عن البيان الوزاري غداً، وبعده عن جلسات الحوار؟
إنه تحدي الفرصة التاريخية التي على القيادات اللبنانية التقاطها قبل الانغماس في ورشة الانتخابات النيابية المقبلة!