#adsense

متى يتعلم المسيحيون اللبنانيون من أخطائهم؟

حجم الخط

متى يتعلم المسيحيون اللبنانيون من أخطائهم؟

كانت الكلمات التي نطق بها البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير لدى مغادرته لبنان متوجهاً إلى أستراليا، بالأمس، ذات وقع خاص ومغزى خاص أيضاً.

كان البطريرك يتكلم في مطار بيروت بمرارة وبلهجة تحذيرية، على الرغم مما كسا كلامه من لطف وذوق في انتقاء التعابير. وبدا متضايقاً من الحال التي وصلت إليها البلاد، وآسفاً على الوضع الذي اختار المسيحيون ـ أو بالأصح، بعضهم ـ أن يكونوا فيه، من دون التفكير ملياً بالمصير أو أخذ العبر من التجارب السابقة زمنياً.. والمحيطة مكانياً.

حكمة ذلك القائد الديني الثمانيني، مع الأسف، ما عادت تعني الكثير لفريق من المسيحيين فضّل سلوك طريق أخرى، تغلب فيها ازدواجية المواقف وعادة «التذاكي» المدمّرة.. على الموقف المبدئي الصريح الذي لا يستقوي بالسلاح أو هياج الرّعاع المحقونين.

لكن المفارقة الأبرز هي أن يغادر البطريرك في رحلته إلى أبعد دول الأرض عن لبنان، خلال ساعات معدودات من عقد لفيف من المسيحيين «لقاءً» في إحدى ضواحي بيروت لتزكية نهج بديل.. حبذا لو كان يعني على الأرض ما يقوله من فوق المنابر.

اللقاء المسيحي الجديد الذي اختار لنفسه صفة «الوطني» ـ كما لو كان وجد حاجة ماسة إلى تأكيدها ـ تجمّع يهدف عملياً إلى إيجاد «مرجعية» بديلة للمسيحيين، تحت زعامة «بطريرك» طائفي سياسي، وبموجب شعارات مشكوك بصدقيتها في ضوء تجارب الماضي العديدة لرافعيها.

ثم أن هذا «اللقاء»، بوجوهه المعروفة الارتباطات والمواقف على مرّ السنين، جاء ليتبنى «وحدة المسيحيين» ضمن أولوياته، وهو الذي سعى أركانه وما زالوا يسعون إلى فرط هذه الوحدة في كل مناسبة ولو عن طريق التحريض، ونكء الجراح الثأرية، واستثارة الأحقاد بين الأفرقاء المسيحيين.

وهو يتكلم عن «استعادة حقوق المسيحيين» و«وقف نزيف» هجرتهم كما لو كان الموضوعان منفصلين، متجاهلاً تفريط بعض أركانه الكرام، وبالأخص أولئك الذي كانوا أصحاب حظوة ومناصب في السلطة، بهذه الحقوق خلال السنوات العشرين الماضية.

ومتجاهلاً كذلك دور الحروب «الدون كيشوتية» العبثية للأركان الآخرين في ضمور حجم الطوائف المسيحية الباقية في لبنان. وكانت هذه الحروب قد هجّرت مَن هجّرت من خيرة الشباب المسيحي، وسرّعت عملية التغيير الديموغرافي للبنان، ولاسيما، في المناطق المختلطة. بل هو يتجاهل عمداً مخاطر جرّ المسيحيين إلى تحالفات طائفية انتهازية في الصراع الإقليمي الدائر بين متشددي «الشيعية السياسية» و«السنيّة السياسية»، وهي مخاطر قد تؤدي إلى القضاء على الوجود المسيحي في المنطقة.

وهو يهاجم سياسة الإدارة الأميركية الحالية في المنطقة ويحمّلها مسؤولية تهجير المسيحيين، لكنه ينسى أو يتناسى أن «البطريرك» السياسي لـ«اللقاء» كان حتى الأمس القريب جداً من محرّضي الإدارة نفسها على المضي قدماً في سياساتها الخرقاء من قلب مبنى الكابيتول. لا ننسى أنه ادعى «أبوة» ما عرف بـ«قانون محاسبة سورية» والقرار الدولي «1559»، بجانب التحريض العلني سابقاً على «المقاومة» و«حزب الله».

وهو يتكلم عن «المحبة» بطوباوية عجيبة، مع أن الكراهية كانت وما تزال السمة الغالبة على كل مواقف القوى الفاعلة في «اللقاء»، وهي كراهية غدت في صلب عقيدة بعض تياراته، حتى أنها ما عادت لا تقتصر على كره طوائف أخرى وقياداتها، بل هي الآن تستفحل وتتراكم داخل المجتمع المسيحي ذاته.

أتوقع، طبعاً، أن يعتبر مناصرو «اللقاء» هذا الموقف منّي تطفّلاً مستنكَراً من شخص غير مسيحي «يزايد» على المسيحيين، ويدّعي حرصه على مصالحهم أكثر من قادتهم الميامين الأشاوس.

الحقيقة، يحق لأي كان أخذ الفكرة التي يشاء.

لكن من واقع القول المأثور «صديقك مَن صَدَقك لا من صدّقك» أعتقد أن لبنان بحاجة إلى مسيحييه. ولا يشعر بمثل هذه الحاجة أكثر من أبناء المناطق التي غادرها المسيحيون خوفاً من قتال أو يأساً من مورد رزق.

والمسألة ليست في أن مسيحيي لبنان ـ بمختلف طوائفهم ـ أفضل معدناً من الطوائف الأخرى، بل لأن في التنوع الثقافي عنصراً مسهِّلاً للتسامح والتعايش والتقدم والرخاء.. بينما في التزمت والإقصاء والاستثناء والتطهير الطائفي والفئوي مدخل أكيد إلى سلسلة لا تنتهي من الانقسام والريبة والفتن.

المسيحيون، أقليةً كانوا أم أكثريةً، ضرورة ماسة للبنان تعدّدي مستقل يحترم التنوع والحريات والمثل الإنسانية، لكن شريطة أن يدرك مغامروهم الأسس اللازمة لتعايش يقوم على الاحترام المتبادل للحقوق والواجبات بمعزل عن لغة الأرقام الانتخابية والإحصائية.

و«حقوق المسيحيين»، تماماً مثل «شرعية المقاومة»، مسألة تضمنها روح وفاقية مخلصة من دون إكراه أو مصادرة أو تخوين.. لا عقد صفقات تكتيكية مع «عدو ما من صداقته بد» أو الاستقواء بالسلاح أو بمن لديه السلاح ضد باقي الشركاء في الوطن.

وجميل ادعاء «العداء لأميركا»، وبالتحديد لهذه الإدارة التي يودّعها العالم في غضون بضعة أشهر غير آسف عليها. لكن المهم انتهاج المسيحيين، وغير المسيحيين، في لبنان سياسات عاقلة وصادقة مع النفس ومع الآخرين في مرحلة خطيرة جداً من عمر الشرق الأوسط والعالم. فاللبنانيون أضحوا خبراء في ايذاء أنفسهم وتدمير وطنهم. وقد فاتتهم خلال العقود الأخيرة فرص عديدة للنهوض والتعافي لأن فرديّتهم أقوى من قدرتهم على تنظيم خلافاتهم، وميلهم إلى المناكفة وإلى الاستقواء بطرف ثالث أكثر تلقائية عندهم من تقديم التنازلات ولو كانت لمصلحة الجميع.

المصدر:
الشرق الاوسط

خبر عاجل