بين التسويات بالإكراه والأحلام بالحل والإزدهار
كان التصريح الذى أدلى به رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة من الرابية اول من امس اقرب الى جردة حساب وطنية للخسائر الناتجة عن استمرار التأزم السياسي الداخلي منذ سنوات، وإعلان للطموحات حول المكاسب المحتملة للإنفراج في حال حصوله.
وهذا التصريح يستدعي التفكير العميق من جانب القوى السياسية المعنية بالأزمة.
فالإفادة من فورة النفط واعادة تثبيت لبنان في سكة النمو التي خرج عنها منذ سنوات، وافساح المجال له ليعود الى سابق عهد من الازدهار كان فيه قمة دول المنطقة اقتصادياً واجتماعياً، لكنها طموحات مرجوة، لأن في كل يوم تأخير عن ذلك سيعني المزيد من النزف الداخلي خصوصاً بهجرة الشباب واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء في الداخل وازياد الأعباء على الدولة بحيث يأتي اليوم الذي لا تعود معه عمليات الترقيع المعتمدة حالياً صالحة للإستمرار، فيسقط الهيكل على من فيه.
لكن ما يستدعيه كلام السنيورة من اسئلة، ينصب بمجمله حول الآتي: هل ان الطاقم السياسي الداخلي مدرك فعلاً لحجم المخاطر التي يتعرض لها لبنان في ظل الرغبة المتبادلة في السيطرة والإستئثار؟ ام ان «غيمات الصيف» الانفراجية سوف تعبر لتعود الأزمة الى حجمها وحدّتها سريعاً؟ الجميع موعودون بولادة قريبة للحكومة، لكن لا افق يلوح فيه مدى استعداد القوى المتصارعة للعمل كخلية في اطار هذه الحكومة، بما يسمح بتحقيق الطموحات التي تحدّث عنها السنيورة كخبير في شؤون الاقتصاد والمال وكمسؤول.
وليس من باب الاسترسال للهواجس التي تضرب الرأي العام دائماً وتدفعه الى عدم التفاؤل، بل من باب القراءة الواقعية للمعطيات، يمكن التوقف عند عدد من الملاحظات التي لا تدفع المراقبين الى الاستكانة لأجواء التفاؤل، وابرزها في الشهرين الأخيرين ما يأتي: 1ـ إن احتقان الازمة السياسية بين الغالبية والمعارضة لم تجد لها حلاً طوال اكثر من عام الا بانفجار أمني في الشارع يوم 7 ايار الفائت.
فهذا الإنفجار هو الذي سمح للمعارضة بفرض شروطها ودفع الغالبية الى الإذعان لها لجهة التنازل عن الثلث المعطل في الحكومة والقبول بقانون 1960 الإنتخابي.
ومهما حاول فريق الغالبية إنكار ذلك والايحاء بعدم خسارته في الدوحة، فإنه لن يستطيع إثبات وجهة نظره لأن الوقائع اقوى منها.
وقد كان لهذا المشهد، اي المشهد الذي يثبت أن الأمن يمكن ان يحصّل المطالب السياسية ويقلب الطاولة، اثر كبير في المرحلة اللاحقة، اذ هددت المعارضة مراراً في الاسابيع الأخيرة بالعودة الى استخدام اساليب اكثر قساوة في حال عدم الاستجابة لمطالبها.
وطبيعي ان هذا المنطق سيبقى صالحاً الى أن تتغيّر المعادلة كلياً.
2ـ ان القوى الداخلية بقيت تصعّد مواقفها في الدوحة حتى اللحظات الأخيرة، واهتز مؤتمر الحوار مراراً وترنح وكاد يسقط.
وفي الأفق المغلق وانتظار إعلان الفشل، وقبل ساعات قليلة من النهاية المنتظرة، تم اعلان صيغة تسوية فاجأت المراقبين واثبتت أن «كلمة سر» اقليمية ـ دولية وصلت الى المؤتمر وفرضت نتائجه اياً كانت درجة الإختلاف.
ولذلك يمكن القول ان اقطاب الدوحة عادوا مختلفين من مؤتمرهم ولكن تحت سقف تسوية اجبارية لم يستطيعوا الا القبول بها، وعندما عادوا الى لبنان جرّب كل منه حظه في التملّص من مستتبعاتها، ولاسيما الفريق الأكثري لجهة التنازلات السياسية، والفريق المعارض لجهة الحوار حول مستقبل السلاح ودوره.
3ـ كان لافتاً أيضاً ان الجميع توقع اعلان الحكومة تحديداً قبل مغادرة الرئيس بشار الاسد الى باريس.
حتى ان الرئيس ميشال سليمان كان واثقاً من تحقيق ذلك عندما قال انه لن يذهب الى العاصمة الفرنسية الا بعد تشكيل الحكومة.
وهذا يعني ايضاً، من جانبي المعارضة والغالبية، ان المعطى الخارجي هو الذي كان حاسماً في اعلان الحكومة.
هذا اذا لم يجر التطرق الى نقاط تفصيلية واكبت المفاوضات حولها، ولم توفر العنصر السعودي الشديد التحفظ على المجريات الأخيرة، او العنصر القطري الذي كان حاضراً بين السنيورة وعون في الرابية قبل يومين وكشف عنه الأخير عندما اكد ان رئيس الحكومة وعد بعدم تعطيل المساعدة القطرية لوزارة الطاقة.
4ـ في ذروة «العرس» حول ولادة الحكومة، بدت ملامح الصراع حول البيان الوزاري والحوار، واستتباعاً السلاح والخصخصة وقانون الانتخاب وسواها، وهي ملفات حساسه، وبعضها يعتبر مسألة حياة أو موت بالنسبة الى كلا الطرفين.
والواضح انه يتم اللعب على التعابير تحت العناوين الكبرى استعداداً لمعارك جديدة، قد تكون محض سياسية او قد تتخذ ابعاداً امنية في ظل وضع امني لم يستقر بعد.
ثمة من يقول ان من الطبيعي حصول خلافات وصراعات بين القوى الداخلة بعد ثلاثين عاماً من الحرب بما تخلها من وجود سوري وتداخلات في الشؤون اللبنانية من القوى الاقليمية والدولية كافة.
فاللبنانيون يجدون اليوم انفسهم امام استحقاق ان يحكموا بلدهم ويديروا شؤونهم وحدهم، ومن الطبيعي ان يشهد ذلك مخاضاً كالذي نراه اليوم.
هذا صحيح اذا كان في مواقف القوى الداخلة ما يوحي بأنهم متفقون على لبنان وكيانه ودوره وصيغته وموقعه الاقليمي.
لكن ما يظهرمن هذه المواقف يؤكد ان الصراع بين القوى الإقليمية بأدوات داخلية ما زال مستمراً، وان هذه القوى «تكبح» الصراع الداخلي او تغيّر في طبيعته أو حدّته وفقاً لمصالحها.
والخطورة تكمن هنا في أن القوى القادرة على «إقناع» الأطراف الداخليين بالحل هي نفسها قادرة وبالمنطق ذاته، على «إقناعهم» بالتأزيم والتصعيد السياسي والأمني.
فالوفاق الداخلي اللبناني ليس مسألة فوقية، بل يجب أن ينبع من الداخل لكي يكون حقيقياً وقابلاً للدوام.
وبهذا المنطق فقط يمكن أن تتحقق طموحات اللبنانيين بالإزدهار وعودة لبنان الى قمة دول المنطقة، وفق ما عبّر عنه الرئيس المكلف ويعبّر الخبراء في المال والإقتصاد.