الأسد يقدّم نفسه في باريس "متغيّراً" والحال أنّه لم يدفع شيئاً من كيسه..
والعلاقات الديبلوماسية وحدها لا تكفي
ترسيمُ الحدود انطلاقاً من المزارع هو الخطوة التي "لا رجعة" فيها
يصل رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى باريس السبت المقبل، مسبوقاً بتقدير فرنسي انّ هذا النظام أقدم خلال الشهور القليلة الماضية على تغيير في سلوكه في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً.
باريس و"تغيّر السلوك" السوري
تعتبر فرنسا انّ دخول نظام الأسد في مفاوضات مع إسرائيل بطريقة غير مباشرة حتى الآن، يشكل عنواناً رئيسياً لـ"تغيير السلوك"، ولا تخفي إقتناعها بأن ذلك يمثّل بدايةً "الفكّ" عن إيران. وترى انّ النظام السوري نفّذ ما طُلب منه في لبنان، فـ"سهّل" ولادة "إتفاق الدوحة" ومن بعده إنتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، وهو في صدد تسهيل تشكّل الحكومة..وإن كانت لا تزال تطالبه بخطوات إضافيّة.
بطبيعة الحال، لا يمكنُ تجاهل هذه المتغيّرات السورية. بيد انّ ما لا بدّ من الإشارة إليه في هذا الإطار، هو انّ هذه المتغيّرات "غير ثابتة" حتى الآن. فـ"التراجع" عن المسار التفاوضي مع إسرائيل "إحتمال" يبقى قائماً بالرغم من صعوبته، والقدرة على إستئناف التعطيل والتخريب في لبنان قائمة في أي لحظة خصوصاً انّ تموضع حلفاء النظام السوري وأتباعه على الخارطة السياسية لا يزال هو نفسه. وهذا فضلاً عن انّ ما "دفعه" نظام الأسد في المسألة اللبنانية هو "مِن كيس لبنان".
وغنيّ عن القول أيضاً إنّ الأسد يريد "قبض" أثمان ما يعتبر أنّه "دفعه"، في حين يفيدُ "المنطق" انّ إعادة النظام السوري تأهيل نفسه لـ"عضوية" المجتمع الدولي ترتّب عليه أن يدفع ويدفع حتّى يكرّس حقيقة تغيّر سلوكه.
العلاقات الديبلوماسية مهمّة
هذه المقدّمات تعني أنّ على فرنسا التي تستقبل الأسد وتعلنُ التزامها بالمعايير الدولية المتفق عليها للتعاطي مع "طلب إنتساب" متجدّد إلى الأسرة الدولية، أن تطالبُ النظام السوري بخطوات "نهائية" أي "لا رجعة فيها" حيال لبنان المستقل السيّد الحرّ.
يفيدُ الموقف السوري الرسميّ أنّ دمشق باتت على إستعداد لإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان بعد تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية"، أي خلال فترة وجيزة من الآن. وتقول معلومات ديبلوماسية في العاصمة الفرنسية إن الأسد سوف يعلنُ عن نيّة نظامه تبادل السفارات مع لبنان خلال زيارته إلى باريس، تاركاً المتابعة لمباحثات لبنانية ـ سورية رسمية لاحقة.
..لكنّها ليست خطوة لا رجعة فيها
لا شكّ انّ العلاقات الديبلوماسية على مستوى السفارات بين لبنان وسوريا، هي مطلبٌ "تاريخي" وانّ وضعه موضع التنفيذ إنجازٌ كبير. غير انّ العلاقات الديبلوماسية هي من الخطوات التي ثمّة رجعة فيها. ذلك انّ في وسع النظام السوري العودة عنها في لحظة سياسية معيّنة إذا إعتبر انّ النظام السياسي في لبنان المنبثق من إنتخابات نيابية ديموقراطية وحرّة، معادٍ له. وفي هذه الحالة تصبح السفارات مثل الحدود، مرشّحة للإغلاق على إيقاع ظروف سياسية محدّدة. كذلك، ليس ما يمنع النظام السوري من تحويل السفارة السورية في بيروت إلى "مركز" رسميّ للتدخل في لبنان، بتحويلها مقراً إستخباراتياً كما تقول مصادر ديبلوماسية شتّى ومنها مصادر ديبلوماسية أوروبية.
ترسيم الحدود بدءاً من المزارع
من هنا، ثمّة خطوةٌ "لا رجعة" فيها يجب مطالبة نظام الأسد بها، ولا بدّ من أن يقدّمها إلى لبنان.
وهذه الخطوة هي ترسيمُ الحدود اللبنانية ـ السورية، لا سيما عند منطقة مزارع شبعا. فليس فقط تقوم العلاقات الديبلوماسية بين دولتين مستقلّتين على أساس حدود واضحة بينهما وعلى أساس إحترام كلّ منهما لحدود الدولة الأخرى، بل يجب الاّ تكون الحدود بين الدولتين شأناً يتعلّق بـ"طرف ثالث" هو إسرائيل في الحالة اللبنانية ـ السورية.
إنّ أهمية السير بترسيم الحدود من جانب النظام السوري، تتّصل بجوانب وعناوين سياسيّة عدّة، أبرزها إثنان.
العنوان السياسي الأول هو تمكين لبنان ـ الدولة من إنجاز "التحرير الديبلوماسي" لمزارع شبعا، أي إستعادتها إلى السيادة اللبنانية، على أساس انّ وثيقة الترسيم الرسمي بين لبنان وسوريا هي ما يصرّ المجتمع الدولي عليه.
..يساعد الحوار وهدف قيامة الدولة
والعنوان السياسي الثاني هو انّ البلد مقبلٌ على حوار وطني برئاسة رئيس الجمهورية ورعاية اللجنة العربية. وتأسيساً على "إتفاق الدوحة" من ناحية وخطاب قسم الرئيس ميشال سليمان من ناحية ثانية، وكلاهما ـ الإتفاق والخطاب ـ بمرجعية إتفاق الطائف من ناحية ثالثة، فانّ الحوار العتيد يُفترض انّه الحوار الأول من نوعه إذ حُدّد له الهدف مسبقاً، وهو تحقيق سيادة الدولة على كامل الأرض اللبنانية وتأمين حصر السلطة العسكرية والأمنية في يدها. وهذا ما نصّ عليه "إتفاق الدوحة" حرفياً، وما ورد في خطاب القسم الرئاسي بعنوان "الاستراتيجية الدفاعية" للدولة. وبكلام آخر، فانّ ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية، وفي منطقة مزارع شبعا تحديداً، هو عامل مساعد لوصول الحوار الوطني إلى نتائج إيجابية ملموسة، وهو يزيل كافة الألغام من أمام هذا الحوار لتطلق نتائجه عملية قيامة الدولة.
لذلك، يؤمل من فرنسا التي تمثل نفسها في الحوار مع سوريا من جانب، لكنها تمثل القواسم الدولية المشتركة من جانب آخر، ان تطالب الأسد بـ"إثبات" سلوكه عبر خطوة "لا رجعة" فيها، أي غير خاضعة لحساب موازين القوى السياسية في أي لحظة من اللحظات، وهذه الخطوة هي ترسيم الحدود مع لبنان، التي "تتآخى" مع خطوة اقامة العلاقات الديبلوماسية.
باختصار، اذا كان بشار الأسد يذهب الى باريس معتقداً انه قدم ما يكفي ويظن انه يمكنه ان يكون مرتاحاً بذلك، فان التضامن الفرنسي ـ والدولي ـ مع لبنان المستقل ومع حقه في ان تكون له دولة سيدة، يوجب الضغط على النظام السوري باتجاه ترسيم الحدود، على قاعدة ان الحدود بدءاً من مزارع شبعا وصولاً الى الحدود الشمالية، هي مصدر المشكلات التي يعاني منها لبنان، وتعوّق قيامة دولته.
المحكمة الدولية قائمة وباقية
وبعد، ثمة من يعتقد ان زيارة الأسد مسبوقة او ستكون ملحوقة بـ"ضمانات" له بشأن المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
صحيح ان الكلام الإعلامي عن ضمانات من هذا القبيل، كثير، وأن هناك تسريبات تفسر "المتغيرات السورية" في حدودها الراهنة بضمانات على هذا الصعيد ينتظر النظام السوري "إكتمالها".
غير ان "إلغاء" المحكمة إستحالة. وهذا هو الموقف الدولي، والفرنسي من ضمنه. ونظام الأسد بات متيقناً من هذه الحقيقة. بكلام آخر، لا يمكن ان تكون المحكمة ثمناً يدفع للنظام السوري. والحال ان الموقف الدولي، والفرنسي من ضمنه، يعد نظام الأسد بـ"ثمن" واحد لقاء "فاتورة" كاملة يدفعها هو.
ترسيم الحدود = الفك السوري عن إيران
وفي مجال الحديث عن "فاتورة" سورية، لا بد من القول أن أحد أبرز خطوات الفك السوري عن إيران هو ترسيم الحدود مع لبنان، في منطقة المزارع إبتداءً. فبترسيم الحدود، ينتهي الاحتلال الاسرائيلي للمزارع، ويقفل تالياً الملف الثاني من ملفَّي الصراع اللبناني مع اسرائيل أخذاً في الاعتبار ان الملف الآخر أي ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية في طريقه إلى أن يصبح مغلقاً في الأيام القليلة المقبلة.. أي يغدو لبنان مفكوكاً ـ موضوعياً ـ عن الصراعات الاقليمية. ولذلك، فان السياسة الفرنسية التي تعمل على خط فك دمشق عن طهران لتتفاوض مع كل منهما على حدة، معنية بمطالبة سوريا بعدم ربط الترسيم مع لبنان بالمفاوضات السورية ـ الإسرائيلية ونتائجها، أو بمطالبتها بالترسيم مع لبنان في موازاة المفاوضات مع إسرائيل.
لا بد ان يدرك النظام السوري ان عليه ان يدفع، وان الثمن الوحيد لقاء الدفع هو السماح له بالعودة منضبطاً الى الأسرة الدولية، والمحكمة الدولية قضية حق غير قابل للمساومة، وهي لازمة لـ"إنضباط" النظام السوري بمعايير النظام الدولي.