الإبحار في مركبين: اللحظة القَطريّة
يضع كلّ واحد من راديكاليّي الشرق الأوسط رِجلاً في مركب جديد ويُبقي رِجلاً في المركب الذي هو فيه. وربّما كان هذا التوزّع سرّ الغموض في ما يجري اليوم ومكمن التعقيد الذي يعتريه.
فسوريّة، مثلاً، لا تني تتمسّك بـ «الثوابت القوميّة» لـ «الممانعة» ودعم المقاومات والتحالف مع إيران. بيد أنها تتقدّم في التفاوض المرعيّ تركيّاً مع إسرائيل. ومن مواقع شتّى تتعالى النبرة التي تفيد أن العمليّة تلك تتطلّب الاحتضان الأميركيّ لها وتستدعيه. ودمشق البعثيّة إيّاها، سبحان الله، من سيرعى «حوار» السلطتين الفلسطينيّتين، الشرعيّة منهما والانقلابيّة، فيما تطمئن الفرنسيّين إلى مستقبل التبادل الديبلوماسيّ بينها وبين بيروت.
أما «حماس» فجذرها راسخ في الانفصال الغزاويّ والصلة الخاصّة بإيران. إلا أنها باتت لها فروع أخرى تمدّها نحو الرئيس محمود عباس. فإذا لم يلتق الأخير بخالد مشعل، فغالب الظنّ أن خالد مشعل سيحاول أن يلتقيه. وكانت «حماس» اقتربت من مصر أو سمحت لها بمقاربة الإشراف على نزاعاتها ومحاولة تهدئتها. وأهمّ من هذا أن «اتّفاق الهدنة» صار ما يحكم نزاعات الحركة الإسلاميّة بالدولة العبريّة، حتّى أن محمود الزهّار نفسه هدّد بنزع سلاح القوّة التي تخرق الاتّفاق، ثم عاودت إسرائيل فتح المعابر.
وبدوره، ومن دون أن يغادر مواقعه، يستعير «حزب الله» بلسان أمينه العامّ، صوتاً تسوويّاً، بعد استكماله فضّ الاشتباك حول الأسرى مع إسرائيل. وفي جوّ كهذا بدأت تُطرح مسألة مزارع شبعا في أفق مختلف، ويُشرّع الباب لتشكيل حكومة لبنانيّة كان تشكيلها بدا مستعصياً.
وفي بغداد، تتحرّك الحكومة التي تسودها أحزاب شيعيّة، إسلاميّة العقيدة وإيرانيّة الهوى تقليديّاً، كما لو أنها تسير على حدّ السيف بين طهران وبين واشنطن والمعاهدة التي برسم العراقيّين.
وهذا التوزّع بين مركبين مصدره، في غالب الظنّ، احتمالات الضربة العسكريّة الإسرائيليّة، وربّما الإسرائيليّة – الأميركيّة، لإيران. وهو ما قد يعزّزه رفض الأخيرة سلّة الحوافز التي شارك العالم كلّه في عرضها على طهران. ويبدو أن بحّارة المركب الثاني يتصرّفون كمن يمدّ اليد الى طالبيها فيما ينزعون منهم ذرائع البقاء في المركب الأصليّ. ذاك أن إعداد مسرح الضربة تجاوز الشقّ العسكريّ، وقد جسّدته المناورة الإسرائيليّة التي لم تتكتّم على هدفها الإيرانيّ، الى الشقّ السياسيّ. وهذا ما توحي به تطوّرات لا تقتصر على إعادة الأسرى اللبنانيّين والتفاوض المداور مع سوريّة التي تتبادل الغزل مع باريس كما تستقبل محمود عبّاس، مروراً بتحسّن العلاقات بين «حماس» والقاهرة. ومن يدري، فقد يطلق جورج بوش في أيّامه الأخيرة آخر شحناته الراديكاليّة فيلزم بها خلفه حتى لو كان أوباما.
وقصارى القول إن الجميع يفكّر بمستقبله في ما لو انكسر عصب السلطة في طهران وغرق القارب الذي يقوده قبطان إيرانيّ. وهي حال قَطريّة أسّسها الجمع بين قاعدة العيديد وقناة «الجزيرة»، أتاحت للدوحة أن تحضن التسوية الرماديّة اللبنانيّة في هذا الزمن الرماديّ.
لكن الأمور لا تدوم طويلاً هكذا. ذاك أن الإبحار في مركبين لا يوصل أحداً الى مرفأ فيما يشطر أجسام الراكبين ويفسخها. والله وحده هو الذي يستطيع، في وقت واحد، أن يكون في مكانين.