واقع تشكيل الحكومة الجديدة يُثبت خطورة تجاوز الأصول
صفير يتشبّث بالأسس الدستورية رغم الحملات العنيفة
على رغم المحاولات الرامية الى تجاوز مواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، فان كلامه من سيدني في اوستراليا، كما كلامه من لبنان، يظل "بطريرك الكلام" على ما كان يصفه الرئيس رفيق الحريري وخصوصاً بعد ايلول 2000 والمطالبة بالانسحاب السوري من لبنان اثر انسحاب اسرائيل من الجنوب في ايار من العام نفسه.
ففي الموقف المبدئي حول يأسه من حكومة لن تؤتي ثماراً لوجود الاكثرية والاقلية في حكومة واحدة بحيث تتعطل آلية الحكم، وقوله "ان الاكثرية والاقلية موجودتان فلتحكم واحدة وتعارض واحدة"، وهذا هو مبدأ العمل في الانظمة الديموقراطية التي تحترم انتقال السلطة على ما كان يفترض ان يكون الوضع في لبنان.
وقد لاقى الموقف الأخير للبطريرك كل من الرئيس نجيب ميقاتي الذي رأى ان الحكومة ستكون "حكومة اللاقرار" نتيجة التضارب في صفوفها، وكذلك الرئيس سليم الحص الذي وصف وضع الحكومة العتيدة بالعقم للاعتبارات نفسها.
واللبنانيون في غالبيتهم يودون انتهاء محنتهم في ازمة وزارية لا معنى لها، لكنهم لا يأملون الكثير خصوصاً في ضوء البازار السياسي الذي حصل في تقاسم الحقائب تحسينا للمواقع الانتخابية لاحقاً بدل اعتماد الكفايات والمؤهلات خدمة للبنان. علماً ان الخارج يفهم ان المنطلق هو في ما يقول به البطريرك الماروني اكثر بكثير مما يقول به السياسيون في تبرير النظام الديموقراطي، وان يكن هذا الخارج يتفهم ضرورة انهاء الازمة السياسية المعقدة والتي تتداخل فيها عوامل داخلية واخرى خارجية، ووضع حد لها بالوسيلة الممكنة وإن تكن عرجاء.
وبالعودة الى المبدأ الديموقراطي الذي لا يمكن احداً نكرانه او تجاهله، حتى وان جافاه لاعتبارات ومصالح معينة، فان رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون كان من اصحاب هذه النظرية قبل ان يدخل مشروع تقاسم السطلة مع الآخرين. فهو صاحب القول في الصفحة السادسة من كتابه البرتقالي الذي وزعه في ايار 2005 وخاض الانتخابات على اساسه، تحت عنوان "العودة الى الديموقراطية": "ان وجود الموالين والمعارضين معاً في حكومة واحدة ونظام الترويكا الذي يخضع اصغر قرار لموافقة الرؤساء الثلاثة (…) كلها هرطقات دستورية بحجة الحفاظ على التعددية الطائفية في المجتمع اللبناني. لقد شوهوا حياتنا المؤسساتية ولم يخدموا سوى الاحتلال وعملائه".
يقع كلام البطريرك الماروني اذاً في "موقع تحديد المصيبة التي ألمت بلبنان. ولكنه يتعرض لحملات سياسية عنيفة لأنه يذكّر بالأسس والمبادئ التي قام ويقوم عليها لبنان وما يتعين ان تكون الأمور عليه، في حين لا يرغب بعض السياسيين في التزام ذلك، ولا حتى في سماعه، بل يسعون الى تبديل مواقفهم وسياساتهم تبعاً للمتغيرات الظرفية السياسية والمصالح، وهذا حقهم ومن صلب عملهم السياسي. لكنهم يعمدون ايضاً الى محاولة زعزعة السلطة الكنسية من خارجها ومن داخلها كذلك عبر طموحات الكثيرين وعدم ممانعتهم في استتباع الكنيسة للسياسيين بدل ان يحصل النقيض. وهذه مسألة خطيرة لكنها مختلفة في هذا الاطار. وأبرز مؤشراتها ان البطريرك الماروني يظل ضمير لبنان الذي يحدد الثوابت والاطر التي لا يملك احد نقضها باعتبار ان الكنيسة امينة على لبنان السيد المستقل الذي كانت هي من ابرز من عمل من أجله. ثم ان ما جرى ويجري، على رغم ان الحكومة اضحت بمثابة المسلم بها في شكلها الهجين الراهن، هو ضد أسس النظام الديموقراطي وانهاء له تماماً على غرار الكثير من الخروق الدستورية التي حصلت خلال العامين الماضيين. وتبعاً لذلك بات صعباً امكان فهم الحاجة الى مجلس للنواب من 128 نائباً سيقتصر عملهم على البصم على ما تورده الحكومة، ولا من يحاسب، اللهم ما يمكن ان يحصل في اطار المزايدات بين الاكثرية والمعارضة في اطار تعزيز الاوراق والمواقع الطائفية والسياسية تمهيداً للانتخابات النيابية.
وتالياً يعلم الجميع مسبقاً ان الحكومة لن تنجز شيئاً إلا الانتخابات النيابية لأن فيها مصلحة للمعارضة اكثر من الأكثرية في اعتقاد اركان المعارضة وفق ما يعلنون، علماً ان الانتخابات هي بدورها استحقاق ديموقراطي للمحافظة على اسس هذا النظام، اذا ما سمح الوضع الامني بذلك. ولكن تتضاءل الآمال في ان تكون الحكومة المسماة "حكومة وحدة وطنية" حكومة مصالحة فعلية ما لم ينجح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في احداث خرق ما في مؤتمر الحوار الذي ينوي عقده لجمع اركان الاكثرية والمعارضة، على ما اشيع الاسبوع الماضي. ذلك ان المواقف الاعلامية والسياسية تشي باستمرار الحرب الباردة، وإن هدأت بعض الشيء على بعض المحاور السياسية وليس على كل المحاور، مما يشي باحتمالين: إما ان تتفجر الامور سريعاً على طاولة مجلس الوزراء، وإما تتأمن التهدئة في المجلس بينما تُعد العدة ميدانياً للمعركة الانتخابية المقبلة وتستمر المعركة السياسية خارج مجلس الوزراء على الأرجح.