إدمان متأخر
لا يستخدم شعب تعبير الوطني او الوطنية قدر ما يستخدمه اللبنانيون. وفي السجال السياسي اللبناني، وتحديدا منذ ما قبل تباشير الحرب الاهلية – العربية – الدولية السابقة، كان معسكرا التناحر السياسي يتعمدان ربط وجودهما بإحدى صفتين: اللبنانية والوطنية. الاولى تميَّز بها اليمين المحافظ، بينما احتكر اليسار العروبي الثانية. اراد اليمين ان يقول انه مؤمن بالكيان، وابتغى الثاني الهرب من تناقض اللبنانية (بمفهوم خصمه اليميني) مع العروبة فلجأ الى الثانية لإفهام خصومه، وربما الاصدقاء ايضا، ان ارتباطه بالوطن اللبناني يمر بالعداء لأميركا واسرائيل وبالنضال لتحرير فلسطين ومقاومتها.
محا اتفاق الطائف هذا التناقض. صارت اللبنانية والعروبة واحدا. لكن استراتيجية "حزب الله" اعادتها الى التداول بصيغة اخرى تتماشى واستراتيجية الولي الفقيه الذي يسعى الى ان تقود ايران العالم الاسلامي، ولا مجال الى ذلك الا بالمزايدة، إما دينيا، وهو ما فشلت في تحقيقه في موسم الحج في مكة عام 1986 تحت عنوان البراءة من المشركين، واما سياسيا، تحت عنوان تحرير القدس وتكريس يوم في السنة لعرض القوة التي تزمع خوض حربها. وعليه فقد بات العالم الاسلامي، وكل العوالم الاخرى، في "فسطاطين"، وفق تعبير ابن لادن الشهير: فسطاط من يريدون تحرير القدس وبقوة السلاح وحده، وفسطاط الآخرين وإن كانوا مع محاولة ايجاد حل بطرق اخرى. ايران في قيادة الاول، واميركا واسرائيل في رأس هرم الثاني. ومرآة ذلك في لبنان. "أشرف الناس" و"أهل المقاومة" من جهة و"عملاء اميركا" و"صهاينة الداخل" في الجهة الاخرى.
لكن منطق الفسطاطين لا "ينطلي" على جميع اللبنانيين، ولا ينطبق. ولا مجال لحشر "الإسلاموية" علنا في الانقسام الداخلي السياسي الذي يقوده "حزب الله" لعدم انسجامها وطبيعة "تفاهم مار مخايل"، ولضررها على شريكه فيها في مواجهة جمهوره فضلا عن الجمهور المسيحي الاوسع.
امتدادا لمنطق "الفسطاطين" كان لا بد من مثيل لهما مسيحيا، يفوز عموديا بين شريك مار مخايل ومن يقابله، فكان ان استُنبشت "الوطنية" وأُعيد احتكارها لـ"اللقاء المسيحي" الذي عقد في ضبيه الاسبوع الفائت، وعلى القاعدة الدفينة نفسها التي استولدت في السبعينات "الحركة الوطنية": العداء لاميركا مضافة اليه توابل "اللبننة" المستحدثة من "احتكار" الخوف من التوطين، والتنكر للمسؤولية عن مرسوم التجنيس، واستعادة النغمات العونية عن المال السياسي وخطر المديونية.
واذا ما نحيت هذه النقاط عن عناوين "الفسطاط الوطني" الناشئ، فلا نجد في بيان انشائه ما يميزه في المواقف عن المسيحيين خارجه، لاسيما حيال رفض الامن الذاتي (من يطبقه؟!) وترسيم الحدود مع سوريا، والتسوية الشاملة للصراع العربي – الاسرائيلي وغيرها، لاسيما في ما يتعلق بالاصلاحات السياسية الداخلية.
واذا ما نحيت هذه النقاط لا يبقى لافتا في الحدث "الجلل" سوى امرين: عودة وجوه اختفت عن الشاشة السياسية منذ الخروج العسكري السوري من لبنان، واستلحاق النائب العماد فيروس العداء لاميركا بعدما كادت عدواه ان تدخل غياهب الماضي وتصبح كالطاعون في ذاكرة الايام. الوجوه العائدة تتبرأ بحلتها الجديدة من مسؤوليتها عن الماضي بتنطحها لحمل شعار "اللقاء"، والعماد النائب يستعيد صباً لم يعشه، بحكم نشأته العسكرية، تميز لدى اقرانه من المدنيين باليسارية وعنوانها العداء للامبريالية الاميركية الذي لم يظهر لديه حين استنجد بها لتوليد قانون محاسبة سوريا في الامس القريب.
التصابي في العداء لاميركا في خطاب ضبية يوحي ان لبنان سيكون قاعدة تصد لها، او "ساحة لهزيمة مشروعها في المنطقة"، على ما كان اكد مرشد الثورة الاسلامية، ويوحي ان قائله وارث تشي غيفارا الذي لم يقرب واشنطن الا لقتالها.
صدق اهل "اللقاء المسيحي الوطني" في امر اساس هو ان الهدف منه التحضير للانتخابات، وذلك باحتكار العناوين المكملة لما ارساه الحزب الحليف، فيلتقي فسطاط "المسيحية والوطنية" مع فسطاط "اهل المقاومة وأشرف الناس" في مواجهة الآخرين الذين ينكر عليهم سلفا ان يكونوا مسيحيين ووطنيين ومقاومين وشرفاء. ومن يريد براءة ذمة عليه بمار مخايل حيث كان النائب العماد اول من فهم الرسالة واستجاب، على ما شهد بذلك حليفه الوزير السابق سليمان فرنجيه في حوار صحافي ليس ببعيد.
السياسة كما الحياة، فيها مرحلة المراهقة ومرحلة النضج.
بعض الناس لا يعيش مراهقته في أوانها فيعود اليها بعد الخمسين. وفي السياسة كما في الحياة، من لم يدمن العداء لاميركا في شباب عمره يحاول ان يجربه في عتباته الاخيرة.