#adsense

من أجل حالة مؤتمرية جديدة لـ14 آذار

حجم الخط

إنها لحظة لحصر الأضرار والتقاط الأنفاس والمعركة الاستقلالية أكثر تعقيداً من ذي قبل
من أجل حالة مؤتمرية جديدة لـ14 آذار

تعرّض "مشروع 14 آذار" لضربة أمنية موجعة يوم غزوة بيروت في 7 أيار، واستهدف بعد "صلح الدوحة" بحملة استنزاف أمني مرهقة جالت في المناطق. لم يتجاوز المشروع بعد آثار الضربة الأمنية التي وجّهت له في لحظة داخلية وإقليمية سانحة بالأمر، ولو أنه استطاع، بشكل سريع نسبياً، امتصاص عدد لا يستهان به من علامات الصدمة، فبقي واقفاً على قدميه.

واللحظة الآن، هي قبل كل شيء بالنسبة إلى هذا المشروع الوطني الإستقلالي، لحظة حصر الأضرار، ومباشرة إفراز مضادات حيوية واقعية من شأنها ترميم المناعة الداخلية للفريق الإستقلالي، بما من شأنه التمهيد لاحقاً لوضعية جديدة، تُعطَّل فيها تباعاً الشروط الإقليمية والداخلية المتواطئة مع خياري الرّد بالأمن على السياسة وصناعة السياسة بحدّ الأمن، وهما الخياران الذي وصل التمادي في استخدامها حد الذروة يوم 7 أيار.

بين انقلابين

سلطة الوصاية وشبكة "النظام الأمني" التي أقامتها على لبنان كانت وصلت هي الأخرى بهذا الخيار إلى حد الذروة، ما بين فرض التمديد التعسّفي لإميل لحّود واغتيال الرئيس رفيق الحريري، فأدى ذلك إلى نتيجة عكسية تمثّلت بتسريع عجلة الجلاء السوري عن لبنان، وبتهاوي شبكة "النظام الأمني" وصولاً إلى اعتقال "الجنرالات الأربعة".

بيد أن بلوغ خيار "الضرب الأمني" للاستقلال اللبناني الثاني حدّ الذروة في أيار 2008 كان له شأن آخر تماماً، فهو لم يؤد إلى التهاوي السريع للشبكة الأمنية الواسعة التي قامت به، بل إلى تحصيل مكاسب سياسية بفضل هذه الشبكة، ما تأمن بالدرجة الأولى من طريق الإقرار لقوى المعارضة مجتمعة بـ"الثلث الضامن" (!) داخل الحكومة. وثمة من يريد المبالغة في "التحصيل السياسي" متكئاً على "الضربة الأمنية"، فيرعى حركة مشبوهة تستهدف قطع الطريق على "المحكمة الدولية" بالضغط "الإنسانوي" المفضوح لإطلاق "الجنرالات الأربعة". وفي هذا الصدد يمكن القول إنّ تمكّن قوى 14 آذار من الإحتفاظ بحقيبة "العدل" رغم كل ما جرى يعد أمراً حسناً، لأن الموالين لسوريا وايران حاولوا فعلاً توسيع مساحة "مكاسبهم السياسية" اليها، لما تعنيه بالنسبة إلى مواكبة ملف المحكمة الدولية، وكذلك لما كان مبيتاً من خطط عند البعض في المعارضة للتحريك الاستنسابي للنيابات العامة. أما خطاب قسم العماد ميشال سليمان فقد لعب دوراً رئيسياً في تثبيت المحكمة الدولية كخيار أساسي في وجه الاغتيالات المتسلسلة، وفي المتن منها جريمة اغتيال الرئيس الحريري، كما أنه جاء وفقاً لفتح كوة في الجدار الحائل دون مناقشة مؤسسية للمسألة المركزية، مسألة علاقة "دولة السلاح" بـ"سلاح الدولة".

كانت ضربة 7 أيار نتيجة للمثابرة على الوسائط الأمنية والعنفية لقهر الحراك الإستقلالي، من الاغتيالات المتسلسلة التي استهدفت فرض شروط أخرى لانتخابات 2005 ثم الضغط على مسيرة المحكمة الدولية ثم محاولة حذف أو تقليص الأكثريتين البرلمانية والوزارية ثم التعرّض لرموز السيادة الأمنية والعسكرية للدولة اللبنانية، إلى "الفتن المتنقلة" التي لاحت معالمها ما أن هدأت المدافع في "حرب تموز"، فصودرت تضحيات الجنوبيين واللبنانيين لحساب سوريا وايران، واقيمت حجة على العرب لا معهم، ولم يسمح داخلياً بالتقاط الأنفاس، بل تجذّر الشقاق بين الذاكرات الجماعية المختلفة، ودُفع الإنقسام المذهبي إلى أقصاه، تماشياً مع المستعاد من مناخات "الفتنة الكبرى" على امتداد المنطقة. وبالتوازي مع الفتنة المذهبية التي ضربت الحد الأدنى من وحدة الطائفة الإسلامية في لبنان فقد جرى الإمعان في الشرذمة السياسية للمسيحيين، وفرضت حال من الشلل المطبق على البلاد لعام ونصف العام، وانسجم ذلك مع فراغ دستوري دام لأكثر من ستة أشهر.

ضربة 7 أيار كانت بمثابة التكثيف لكل ما سبقها، وكانت بشكل من الأشكال معاودة لفعلة 14 شباط 2005 لكن ضد المدينة ككل هذه المرة، المدينة التي خرجت تنادي بالحق والحقيقة في جنازة الرئيس الحريري، فصارت تنادي بحق أبنائها في أن يدفنوا بعضهم البعض من دون أن يلحقهم رصاص الغدر حتى موكب التشييع والجبّانة.

لكن بخلاف ما حصل بعد 14 شباط 2005، لا يمكن تجاوز مفاعيل ضربة 7 أيار الأمنية بالوسائل نفسها. اغتيال الرئيس الحريري ارتد بشكل عكسي وسريع على الجناة، أما محاولة اغتيال بيروت فتطلّبت مواجهتها تأمين أكثر من شرط قبل أن ترتد بشكل عكسي على من أوحى بها أو نفّذها.

الفتنة والمحنة والتحدي

والضربة الأمنية الموجعة التي لم تستطع أن تصيب من 14 آذار مقتلاً، تمكنت من ادخال المشروع الاستقلالي في محنة لا سبيل للخروج من وطأتها بالمفاهيم نفسها، وبالشعارات نفسها، وبـ"عدّة الشغل" نفسها، التي كان معمولاً بها قبل الضربة.
صحيحٌ أن الضربة الأمنية جاءت تكشف صوابية الكثير مما تضمّنته "ورقة العمل الإفتتاحية للمؤتمر الأول لقوى 14 آذار" أو "وثيقة بيال"، لا سيما ما ورد على سبيل التفريق بين ثقافة للسلم والوصل وثقافة للعنف والفصل، وما سطّر من جدلية "تواطؤ وخصومة في آن" تجمع ايران إلى اسرائيل في مواجهة "إعادة التكون السياسي للعالم العربي". بيد أن الظروف الداخلية والإقليمية كما كشفت عنها ضربة 7 أيار صارت تستدعي إحاطة من نوع آخر بالأحداث. فالصراع بين المشروع الاستقلالي المشارك في منظومة الاعتدال العربي وبين المشروع الممانع الموالي لايران والذي تضبطه سوريا ويضبطها هو، صراع لن يخفت في المرحلة المقبلة، مرحلة "حكومة الوحدة الوطنية"، وإنما ستكون تجلياته متفاوتة من ملف إلى ملف، وبين قطب وآخر، وهذا هو التحدي الذي على قوى 14 آذار خوضه ابتداء من الآن: كيف يمكن لهذه القوى أن تتعاطى بشكل موحّد مع عملية انقلابية دموية قامت بغزو مناطق دون أخرى، وتفاوتت شروط مواجهتها بين منطقة وأخرى، ففريق وجهت له الحراب أكثر من سواه، وفريق آخر استطاع مواجهة الحراب في مواضع بعينها أكثر من سواه، وفريق ظلّ تحت تحديد الحراب وإن لم تصل إليه لكنه لعب باتقان دور "جناح الصقور" عند خوض المعركة، أكثر من سواه.

هذه هي المسألة التي تستدعي انعقاد حالة مؤتمرية جديدة لقوى 14 آذار في أسرع وقت. منطق الوحدة السياسية في وجه الاغتيالات المتسلسلة لا يكفي وحده لتأمين الوحدة السياسية في وجه الفتن المتنقلة التي يراد منها حسم "المشهد الانتخابي" مسبقاً بالشكل الذي يوافق "سلاح التنظيمات" لا "سلاح الدولة".

الضربة الأمنية جاءت بكلفة معنوية وأخلاقية عالية بالنسبة إلى القائمين بها. استخدم سلاح "محرّم" في شوارع بيروت وبعض قرى الجبل، هو "سلاح المقاومة". لكن بمجرّد استخدامه صارت لهذا السلاح هوية أخرى. سقط "الحُرم" الذي كان حائلاً دون مناقشته، إنما خلقت ظروف تحول دون أن تكون هذه المناقشة جدية ومثمرة ما لم تتأمن لها أجواء سياسية تخرجها من الكبو إلى الانتعاش مرة أخرى.

أما "صلح الدوحة" فأفلحت فيه المعارضة في نيل "الثلث المعطّل"، هذا بعد أن صارت مزايا هذا "الثلث" أقل مما كانت عليه في مرحلة سابقة، يوم كان إميل لحّود رئيساً للجمهورية، ويوم كانت المحكمة الدولية لم تقرّ أممياً بعد. بيد أن "الثلث المعطّل" بحد ذاته يبقى مكسباً كبيراً حققته المعارضة، وإن لم تحققه لا من طريق الإقناع بالمحاججة ولا من طريق الضغط الشعبي المشروع، وإنما من طريق.. "سلاح المقاومة". ما حصل في هذا الاتفاق هو أن الاستثمار السياسي للضربة الأمنية من قبل صانعيها جاء أقل بكثير من "الإنجاز" الأمني نفسه.

حدود امتصاص الضربة

ومع خطاب القسم صارت الفرصة أكبر لمزيد من الامتصاص السياسي للضربة الأمنية، فكان خيار القائمين بهذه الضربة تجديدها في "مواضع" أخرى من الجسد اللبناني المنهك، بل والتهديد بإعادة استخدامها بشكل أكثر ترويعاً ومشهدية ما لم يفهم الاستقلاليون الدرس.
وأقوى عنصر للامتصاص السياسي للضربة الأمنية تمثّل في مبادرة "قوى 14 آذار" إلى تكليف فؤاد السنيورة برئاسة حكومة.. "الوحدة الوطنية". يبقى أنه لا قدرة للامتصاص السياسي للضربة الأمنية بشكل تام ومطلق. ومن هنا فلا عجب أن تعود المفاعيل السياسية لهذه الضربة فتطفو على السطح، والأمر إذّاك يجلب بعضاً من الإحباط لجمهور 14 آذار، سواء في المشهد الداخلي، عند تتبع عملية التشكيل الحكومية، أو في المشهد الخارجي، عند ترقب زيارة الرئيس السوري إلى العاصمة الفرنسية، وحلوله ضيفاً في عيد الثورة التي اقتحمت سجن الباستيل (رديف معتقل صيدنايا) وأقرت شرعة لحقوق الإنسان والمواطن.

مع ذلك فإن هذا الإحباط يداوي نفسه بنفسه. فمهما كانت التأثيرات السياسية فالحكومية للضربة الأمنية وتداعياتها، إلا أن راهنية كل من "المحكمة الدولية" و"السلاح كمشكلة مركزية" هي من النوع الذي لا يمكن طمسه أو الركون للزغل حياله. وفي ما يتعلّق بالشارع المسيحي تحديداً، فمهما كانت آراء هذا الشارع في الحقائب المعطاة للمسيحيين في الحكومة، ولمسيحيي 14 آذار تحديداً، إلا أنه شارع صار يعي أكثر من أي وقت مضى أن الخطر الرئيسي يأتيه من بقاء "السلاح" فوق الجميع، غير مقيّد بضوابط تحول دون اعادة استخدامه في الداخل، أو دون اعادة تخطيه الخط الأزرق لأجندة ايرانية صافية.

أما ما ينبغي أن يعيه جمهور 14 آذار ككل بمسيحييه ومسلميه، فهو أن عملية الامتصاص السياسي للضربة الأمنية هي أكثر من معقّدة، وتتطلّب هندسة وضع داخلي جديد لا تعود فيه الضربات الأمنية قادرة على تحقيق مغانم سياسية، وتصير فيه السياسة قادرة على لجم الخيارات الأمنية المنفلتة من عقالها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل