مصالح مشتركة حرّكت مسيحيي اجتماع الضبية:
تلميع صورة سوريا واستعداء بكركي والمقعد النيابي
إنه لمشهد سوريالي ـ سوري في الضبية، حيث اصطف مسيحيون على رأسهم النائب ميشال عون يعلنون جهاراً مناهضتهم للسياسة الأميركية ودعمهم "مفخرة المقاومة".
إذاً المسيحيون في لبنان باتوا ضدّ الولايات المتحدة الأميركية، ويدعمون الحزب الذي ينادي بولاية الفقيه، هذا هو ملخص الاجتماع الذي تنادى اليه مسيحيو 8 آذار، أو إذا صحّت التسمية المسيحيين الزعلانين كل واحد من مرجعيته السابقة، وكأننا بهم قد وجدوا ضالتهم باللقاء الذي جمع تقريباً كل المحسوبين على السوريين زمن فترة الاحتلال، والبعض من هؤلاء كان مزروعاً داخل حزبه ليكون الحالة السورية داخل المجموعة التي ينتمي إليها.
ويبقى أن هؤلاء بمعظمهم يتظلّلون بعباءة السيد حسن نصرالله، وهنا الازدواجية والتناقض في آن معاً، بحيث إن المجتمعين يعلنون هُويتهم المسيحية، كما هو اسم التجمّع، ولكن في الوقت نفسه، لا نجد أي علاقة ترابطية بينهم وبين المرجعية المسيحية الأعلى، والمقصود بها بكركي، لا بل على العكس، فإن معظم الجهابذة لا يوفرون البطريركية المارونية بين الفينة والاخرى بوابل انتقاداتهم، حتى إن البعض منهم توجه إلى سيد بكركي بأقذع العبارات وبأبشع الاتهامات، لذا من الضروري سلخ صفة المسيحية عن هؤلاء لأنهم ينطبق عليهم صفة الخوارج، ولو كانوا مسيحيين بالانتماء الطائفي والمذهبي للكلمة، إلا أن هذا الأمر لا يكفي، بل أن حامل الهوية المسيحية تقع على كاهله مسؤولية أقل ما يقال عنها انها مسؤولية من أبرز عواميدها إنتهاج المبادئ والمسلّمات التي التصقت تاريخياً بالوجود المسيحي الحرّ وبمن مثّله طوال سنوات، ولعل المثال الحي على ما نقول الجبهة اللبنانية التي التصق اسمها بالمقاومة اللبنانية عنوان المحافظة على كرامة المسيحيين واعتبار وجودهم الحرّ، ركن أساس للحضور اللبناني الحرّ، من هنا قلنا إن أصحاب الألقاب المخفية في الضبية افتقدوا للروحية المسيحية، كما افتقروا للمظلة الروحية التي هي أساس مطلوب لأي تجمع مسيحي، كيف لا وبكركي مرجعية وطنية وليس فقط مسيحية، لذا كان الأحرى بهؤلاء وبدل الاستهتار والاستغناء عن الينبوع المسيحي، وبدل أن يكونوا حرّاساً لهياكل حزب الله، وفدائيين بوجه الولايات المتحدة الأميركية لدرجة رجمها حتى الموت، كان الأفضل لهم لو أنهم قاربوا الهمّ المسيحي الضاغط، وتكوكبوا حول السبيل لمعالجة مسائل شائكة تحاكي ضمير المسيحيين.
ولكن عند الدخول في بطاقة تعريف أعضاء التجمّع، يتراءى فوراً أمامنا المشهد الذي لا يغيب عن بالنا وفكرنا وعقلنا، مشهد بعض الأسماء والشخصيات التي تفاخر حتى اليوم بعلاقتها مع النظام السوري، وهنا السؤال الكبير: هذه هي اقتناعات المسيحيين؟ وهل مسيحيو لبنان الذين قدّموا الغالي والنفيس على مذبح الوطن دفاعاً عن لبنان وحفاظاً على ديمومته وإعلاء شأنه كوطن ريادي سيادي، تأتي هذه المجموعة لتعلن صك براءة للسوريين بكل وقاحة ومن دون أي اعتبار لأهالي الشهداء كما ولأهالي المعتقلين في السجون السورية؟
إن مجرّد إبراز بعض الوجوه ممن كرّم الضباط السوريين وقدّم لهم الهدايا وأجلسهم داخل دارته، يكفي لنعلن السخط، أن هؤلاء بتغاضيهم عن جرائم سوريا في لبنان، إنما هم كمن يعطي صك براءة.
ومن يتبجح من هؤلاء بأنه من رفاق بشير، مجرّد سؤال بسيط، يطرحه عليكم بشير من عليائه ليعلن كل ورقة تضعون عليها تواقيعكم، وليكون اسمكم تغطية لنحر الوجود المسيحي الحرّ، بالفعل إنها أزمنة التخلّف، وأزمنة التقهقر المسيحي، لكون مجموعة تدّعي انتماءها وحرصها على المسيحيين، وهي بمعظمها وجوه معروفة أين مربطها، ومن أين تتغذى عقائدياً وسياسياً.
ومن قال لهؤلاء إن المسيحيين يريدون التحالف مع الشيعة ضدّ السنّة؟
ومن قال لهؤلاء إن المسيحيين يؤيدون سلاحاً خارج الشرعية كما فعل هؤلاء بورقتهم التي أينعوها من الضبية لتصل فوراً إلى الضاحية الجنوبية، بدل أن تكون ورقة لجمع اللبنانيين، ورقة لا تميّز بين مسلم شيعي ومسلم سنّي.
جاءت الورقة لتغرز من جديد خنجر التفرقة والتباعد، وكان الأجدى بهؤلاء تكوين هيئة توحيدية لرؤية يتشارك فيها المسيحيون أولاً، ومن ثم كل اللبنانيين، إلا أن مجموعة الضبية أطلّت بورقة هي شبيهة بوثيقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار العوني"، من هنا القول إن هؤلاء لم يقدّموا الجديد، إنما هم جدّدوا العهد لورقة التفاهم، بعنوان أساسي هو أن سلاح "حزب الله" مفخرة وإستعداء أميركا هو لغة العصر.
إذاً تلميع صورة سوريا ليس مطلوباً من المسيحيين، وتجاهل دور البطريركية المارونية يأتي في سياق الخط المرسوم منذ زمن وهو التطاول على بكركي حتى تتعمّم هذه المنهجية لدى الأوساط الشعبية بحيث تصبح هذه اللغة داخل البيوتات المسيحية، وبذلك تتم عملية الانقلاب على المفاهيم والقيم والمقدسات بواسطة الحالات الشعبوية وصولاً إلى تكريس أمر واقع مفاده أن المسيحيين يريدون ذلك.
إن المتكوكبين حول المجموعة التي تقاتل بكركي، بمعظمهم من طبقة "التيرسو" في المجتمع المسيحي، ولملمة هؤلاء من صناديق غياهب الماضي واستعمالهم كأسماء مسيحية، إنما ينطبق عليهم سيناريو مسرحية "الشخص" للرحابنة.
تجمّع الضبية هو مقدّمة تحضيرية للمعركة الانتخابية المقبلة، ولكن عدّة الشغل عبر جلب "الزعلانين" لن تفي بالغرض، لأن الزعلان من الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية والقوات، لا يمكنه أن يتحوّل إلى بدل عن ضائع، فالأصل موجود لذا انتفت صلاحية منتحلي الصفة، وإلى ربيع 2009، علّ البعض يعود إلى رشده.