#adsense

انقلاب… من داخل الغالبية؟

حجم الخط

انقلاب… من داخل الغالبية؟

يمكن الافتراض سلفاً، مع إبقاء هامش محدود لزيادة أسماء أو إنقاصها، ان الرئيس فؤاد السنيورة والوزير طارق متري و"الوزير" قيد الترشيح زياد بارود وحدهم من دون الـ27 زميلاً لهم في الحكومة العتيدة لن يترشحوا للانتخابات النيابية المقبلة. وبذلك يكون الفريق المعارض الذي حظي بسبق تسمية وزرائه قد نجح مرتين. الاولى في فرض معايير "الشعبوية" على عملية تشكيل الحكومة ساخرا بكل المعايير المبدئية الاخرى التي لا تطعم لا زفتا ولا خدمات ولا "ريوعات" عشية موسم انتخابي لاهب. والثانية في حشر الفريق الاكثري في التقاتل على بقايا مقاعد وحقائب الى حد هز وحدته وتماسكه مهما تشاطر اركانه في نفي ذلك. فحتى لأيام هائمة قليلة بدا هذا الفريق مصابا بالانفصام عن الاطار المبدئي الصارم الذي يفترض به التنبه اليه وخصوصا انه دفع ثمنا باهظا له في قائمة طويلة من الشهداء الذين لم يسقطوا حتما في متاهة انزلاق الصراع المقيت على السلطة، بل سقطوا لتحكيم معايير كبيرة ليس مسموحا لاحد بان يغفل عنها للحظة وإن أصابته الخسائر والسهام تباعا.

واذا كان يحق للفريق المعارض ان يزهو بزحف منهجي متواصل منذ احداث بيروت يقوم عبره بتغيير قواعد اللعبة السياسية وفرض بعض انماطه على القواعد الدستورية، فلم يعد من المجدي للفريق الاكثري ان يبرر ارتباطه بتركيبته الديموقراطية المتعددة الطرف، وخصوصا ان في امكان المعارضة ان تحتمي بالشعار نفسه فيما هي "تصنع" تباعا قواعد مخالفة تماما للاصول الدستورية بأناشيد المشاركة والديموقراطية التوافقية.
والواقع ان الغالبية لا تزال تمتلك ورقتين حاسمتين يمكنها توظيفهما وتحكيمهما عبر تمثيلها الشامل في الحكومة، عشية تقديمها لائحة الوزراء والحقائب.

الورقة الاولى هي الاقبال بلا هوادة على تلقف منطق المشاركة في السلطة، حتى عبر مبدأ الديموقراطية التوافقية، لان من شأن ذلك تحويل المعارضة طرفا سلطويا كامل المواصفات والمسؤوليات في آن واحد بحيث يجد المعارضون مشقة كبرى بعد ولادة الحكومة في استمرار توظيف موقعهم المزدوج بين معارضة وسلطة فيما هم يقبعون على مكاسب باهرة داخل الحكومة.

والورقة الثانية هي مخالفة المعايير الشعبوية في تسمية الوزراء واللجوء فورا الى اختيار وزراء لن يخوضوا غمار الانتخابات مهما كلف الامر من عناء هذا الانقلاب على الذات ومعاندة موجة تحكيم المصالح الانتخابية التي تجتاح مناخ تشكيل الحكومة منذ ما بعد تسوية الدوحة.

وقد يغدو الامر لأصحابه بمثابة رومانسية سياسية ساذجة في عز تفجر صراع المشروعين السياسيين اللذين يوشكان على الدخول في حقبة مختلفة تماما عن سائر الحقبات السابقة التي عرفها هذا الصراع. غير ان قوى الغالبية لا يزال يتعين عليها في الاشهر الفاصلة عن الانتخابات ان تتخندق وراء الاطار المبدئي الصارم وعدم التهاون فيه لانها قامت اساسا وولدت وحققت غالبيتها في رحم هذا الاطار. وما دامت الفضيلة الوحيدة لما يجري في معترك تشكيل الحكومة هي ان فريقي الصراع يحتكمان الى منطق التسوية وإن بمعايير متناقضة، فلن يكون اجدى لفريق الغالبية من قلب "القواعد الانقلابية" سوى بانقلاب من داخل الغالبية على مفاهيم كلاسيكية تجعل الخصم يستدرج هذا الفريق الى القواعد التي تناسبه.
وبذلك، ربما تبقى فسحة زمنية ونوعية كبيرة لتوقع اعادة بعض الاعتبار لمفهوم ادارة سياسية للبلاد تخدم الناس بلا ثمن اسوة بالحكومات المحترمة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل