قبل التأليف وبعده
ما صار شيء إلاّ صار مثله. ومخاض ولادة "الحكومة الانتقاليّة" لا يزال ضمن الحالة اللبنانيّة المتعارف على استثنائيتها، وتحت سقف التقاليد والأعراف المألوفة.
وليس في الأجواء المحليّة والاقليميّة ما يدعو الى فتح أبواب القلق وتشريع نوافذ الوساوس والهواجس.
وما دامت قد اجتازت "جبل العقبات" بسلام، ونفدت بريشها وريش الرئيس المكلّف الذي سيصنف لاحقاً في خانة مشاهير الصابرين، فلا خوف عليها إذاً من المطالب الطبيعيّة والبديهيّة التي استقبلتها بحفاوة لدى بلوغها ضفّة الرابع عشر من آذار.
والاقامة في هذه الضفّة لن تطول، ولن تتعدى أياماً معدودات، على عكس ما كان لها وصار مع بعض المراجع في محور الثامن من آذار.
رغم كل مظاهر التأخُّر والتعرقل التي لا بدّ منها أحيانا، بل دائماً، لدى الدخول في ورشة تأليف الحكومات، فان لا أزمة تأليف كما ينبئ واقع الحال. ولا أزمة سياسيّة قد تخربط الوضع من جديد. ولا أزمة حصص وحقائب. ولا شيء غريب ومخالف لما يحصل عادة لدى صوغ تشكيلة حكومية من مجموعة متناقضات، وعلى أبواب معركة انتخابيّة سيُقام لها ولا يقعد.
وإذا كان بعضهم أو أحدهم قد أتاح لنفسه فرصة شهر وأسبوع وثلاثة أربعة أيام، ليعطي موافقته على حصته، ويعطي الضوء الأخضر، فمن البديهي ان تمضي التشكيلة يومين ثلاثة على الأقل في ضيافة قوى الغالبيّة.
وليس على أساس المعاملة بالمثل، أو الشيء بالشيء يُذكر، بل من باب يُبنى على الشيء مُقتضاه ومقتضى توزيع الحصص والحقائب.
المعارضة، او بعضها على الأقل، أخذ وقته، ووقت الغالبية، ووقت رئيس الجمهورية الجديد، ووقت الناس العائشين على أعصابهم حتى وهم في عزّ النوم.
ومن تحصيل الحاصل ان تنشأ على الجبهة المقابلة مطالب وشروط ورغبات، وان ينظر البعض الى حقائب معيّنة نظرة ما من أحد أحسن من أحد، وما من ابناء ست وأبناء جارية.
رغم كل ذلك، وكل ما قيل ويُقال، فلا تزال الحركة التأليفيّة ضمن الاطار العادي والمسار الطبيعي.
وليس مستبعداً أن تسلك العقبات البسيطة والمألوفة جداً طريق الحل، وخصوصاً بعد عودة النائب سعد الحريري الذي حمل باكراً لقب حلاّل المشاكل المستعصية.
أما الناس، فمن حقهم ان يتأففوا ويبدوا استياءهم من المماطلات والتأجيلات، وان يحثوا الجميع على التعجيل في تسهيل عودة الحياة الطبيعية التي طال شوقهم اليها.
التأليف مهمٌّ حتماً، لكن الأهم ما ينتظرنا بعد التأليف.