اشارات من دمشق وطهران
يشعر المراقب حيال الاشارات الواردة من العاصمتين السورية والايرانية ان هناك تباعداً غير ظاهر تماماً لكنه ينعكس على الداخل اللبناني تحديداً، وفي هذا المجال فإن دمشق التي تسعى وتعمل على انطلاق ورشة تطبيع علاقاتها مع العالم، تقدم التزاماً بما تردد عند بدء المفاوضات غير المباشرة بينها وبين اسرائيل بوساطة تركية، وفيه ان العالمين العربي والدولي يشترطون افتراقاً عن المشاريع الايرانية واغلاقاً للبوابة السورية بوجه طهران ، وامتناعاً سورياً عن تشكيل ممر للاسلحة والاموال التي تأتي من عاصمة الملالي لكل الحلفاء في فلسطين ولبنان على حدٍ سواء.
ولا بد ان هذه الشروط ومعها اقفال مكاتب المنظمات المتهمة بالارهاب داخل سوريا وطرد زعمائها، وسحب مواقعها من الداخل اللبناني، وترسيم الحدود بين الدولتين وتبادل العلاقات الدبلوماسية هي التتمة التي لا بد منها لانطلاق مسيرة العودة الاخوية، ومن هذه النقطة بالذات يصير اخلاء فتح – الانتفاضة لموقعها البقاعي امس مفهوماً، ويصير مفهوماً ايضاً كلام الرئيس السوري بشار الاسد حول ان تحقيق السلام في سوريا ولبنان وفلسطين ينفي الحاجة الى حمل السلاح ! وهذه العلامات الظاهرة ومعها ما حكي عن مساعي سورية لتسهيل تأليف حكومة الوحدة الوطنية في لبنان ، واعتبار قيامها مدخلاً اجبارياً لنجاح الزيارة التي سيقوم بها الرئيس السوري الى فرنسا والتي تأتي بعد اكثر من ثلاث سنوات من العزلة وقطع العالمين العربي والدولي التواصل والتحادث مع النظام السوري اثر صدور القرار 1559 وما تضمنه من قرارات تعنى بالتدخل السوري السافر في لبنان وعلى مستوى المنطقة.
اما في طهران فإن الكلام الذي اطلق امس وفيه تهديد بإحراق الاسطول الخامس الاميركي والعاصمة الاسرائيلية في حال تعرض ايران لهجوم! يدل على توجس الايرانيين من التناغم الدولي مع سوريا والتخوف من ان يكون مقدمة لضربة شاملة للبرنامج النووي الايراني بما يعيد الاحلام الفارسية الى نقطة الصفر، ويعيد طهران بعد دمشق الى الواقعية والعقلانية والى تحجيم الطموحات الى الداخل فقط ووقف مد الاذرع والاصابع في طول المنطقة الممتدة من بحر قزوين الى البحر الابيض المتوسط.
وفي نفس السياق ينتظر المراقبون انعكاس التباعد (وان بطيئاً ) بين ايران وسوريا على الداخل اللبناني ويتساءلون في هذا المجال عن خيار حزب الله الذي هو "صنيعة ايرانية" لكنها في آن تحتاج بشكل دائم الى الاوكسيجين السوري الضروري للحزب كي يستمر في مشاريعه الطموحة جداً على مستوى لبنان والمنطقة.
ويبقى ان طهران وبعد اغتيال عماد مغنية وغزوة بيروت والذهاب الى الدوحة تدفع حزب الله الى ابداء مرونة ظاهرية بانتظار ان تتوضح المواقف السورية ويظهر فيها الخيط الابيض من الخيط الاسود وساعتها يكون لكل سؤال عند الايرانيين جواب!!.