سلاح "حزب الله" وأوهام اسرائيل
قالت وزيرة خارجية اسرائيل تسيبي ليفني لوزير خارجية ايطاليا اثناء مرافقتها اياه الى الحدود الاسرائيلية – اللبنانية ان "ثمة فرصة لنزع سلاح "حزب الله" ولا يجوز ان نخسرها، واذا لم نفعل الآن فسيكون من الصعب القيام بذلك لاحقاً". وبررت موقفها هذا بجملة امور منها قرار مجلس الامن 1701 الذي "انهى" الحرب الاسرائيلية على لبنان صيف عام 2006 ووجود القوة الموقتة للامم المتحدة (يونيفيل) في الجنوب تطبيقاً للقرار المذكور. و"احجام" لبنان عن تنفيذ ما يتوجب عليه في هذا القرار وخصوصاً مصير السلاح الذي يحتفظ به "حزب الله" في الجنوب وخارجه اي في لبنان كله.
هل صحيح ان فرصة نزع سلاح "حزب الله" متاحة فعلاً، كما قالت ليفني؟
اذا كانت وزيرة خارجية اسرائيل مقتنعة فعلاً بأن فرصة كهذه متاحة فعلا تكون لا تفقه شيئاً في السياسة ولا تملك اي تقويم فعلي للاوضاع في لبنان والمنطقة، وربما في العالم. واذا كانت تحاول بموقفها المذكور تحريض وزير الخارجية الايطالي على "حزب الله" ودفع الحكومة الايطالية الى تبني موقف راديكالي من الحزب وسلاحه داخل الاتحاد الاوروبي ومجلس الامن، فان محاولتها ستمنى بالفشل لان رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني ليس مستعداً للمغامرة ليس بالقوة الدولية المعززة في جنوب لبنان بل بالعسكر الايطاليين المشاركين فيها وعددهم ليس بالقليل. في كل الاحوال تعرف ليفني او يجب ان تعرف ان فرصة نزع سلاح "حزب الله" لا تزال غير متوافرة ولاسباب كثيرة، منها مطالبة اللبنانيين على تناقضاتهم والاختلافات، المجتمع الدولي بعدم التركيز على موضوع هذا السلاح الآن وبالافساح في المجال امامهم كي يجدوا حلاً له بالحوار في ما بينهم. علماً ان هذه المطالبة نجمت عن حرص على تلافي الانزلاق الى حرب مع الحزب او بالاحرى الى حرب اهلية لا احد مؤهل لها باستثنائه. ونجمت ايضاً عن معرفة اللبنانيين نتيجة خبرة طويلة لهم مع المجتمع الدولي ان دوله ليست مستعدة لان يموت جنودها عن احد وخصوصاً في مناطق النزاعات البالغة التعقيد والمتشابكة الخلفيات والابعاد، ومنها معرفة الدول المشتركة في القوة الدولية ان اي محاولة لنزع سلاح الحزب او للتفكير في نزعه او التخطيط لذلك ستعرضها لحال من الغضب والنقمة الشعبيين في جنوب لبنان وفي مناطق اخرى كما ستهدد وبنحو خطير سلامة افرادها كلهم. وفي ظل الغضب والنقمة لن يعود في امكان القوة ممارسة عملها لان الاجواء المحيطة بها ستكون عدائية. اما تهديد سلامة جنودها فقد لا يقوم به الحزب. لكن قد يقوم به آخرون، ربما لانه اذكى من ذلك، وبتسهيل منه عبر فتحه الطرق لهم. وهؤلاء الآخرون موجودون في اكثر من مكان و"مشحونون" ضد القوة الدولية وكل ما هو دولي، واذا كانوا لم يتصرفوا على النحو الذي يريدون معها فلأن "حزب الله" عينه دائماً عليهم بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن حلفائه الاقليميين.
هل يعني ذلك ان "حزب الله" غير المسلح مستحيل الوجود؟
قد يكون الامر كذلك في نظر قادته ومؤسسه الاقليمي. ولكن لا مستحيل في السياسة وخصوصاً عندما يتعلق الامر بقضايا لها ابعاد وخلفيات اقليمية ودولية وتتقاطع فيها المصالح ليس بين الحلفاء فقط بل ايضاً بين الاعداء. وقد عبّر عن ذلك الرئيس السوري بشار الاسد في حديث ادلى به الى صحيفة فرنسية لمناسبة زيارته باريس خلال ايام، اذ قال ان تجريد "حزب الله" من السلاح ممكن بعد السلام مع لبنان وسوريا وفلسطين. والسلام المقصود هنا هو الذي ينهي نزاعاً مزمناً بين هذه الدول واسرائيل. واذا كانت وزيرة خارجية اسرائيل متحمسة كثيراً لنزع سلاح "حزب الله"، فما عليها الا ان تقنع حكومتها والحزب الذي قد ترأسه قريباً بالتخلي عن تعقيد التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين قبل نهاية السنة الجارية. هذا الامر الذي قبله الاسرائيليون بعد التزام الرئيس الاميركي جورج بوش اياه، وما عليها ايضاً مع حكومتها وحزبها الا تسهيل التوصل الى حل لمشكلة الجولان السوري المحتل والتخلي عن مزارع شبعا. وهذه امور لا يبدو ان اسرائيل ستتخذ موقفاً منها قريباً.
الا ان ذلك لا يعني في رأي مصادر ديبلوماسية مطلعة، ان سلاح حزب الله" سيبقى مشكلة. فحل مشكلة الجولان على نحو مقبول سورياً قد يكفي كي تنتهج دمشق سياسة تعطيل هذا السلاح في مرحلة اولى من دون ان تنزعه اذ قد تحتاج اليه مستقبلاً وخصوصاً اذا لم تحل مشكلاتها مع اميركا. كما ان حل مشكلة لبنان بعودة سوريا اليه بوصاية جديدة وان قبل حل مشكلة الجولان ولكن مع وضعها على طريق الحل الثابت بتطور ايجابي للمفاوضات السورية – الاسرائيلية وبرعاية اميركية لها، من شأنه ان يعطل السلاح "الالهي" او ربما يعطيه وظيفة اخرى لبنانية ولبنانية حدودية. وهذا امر تدعو المصادر اياها الى عدم تجاهله. ذلك ان ما يجري في رأيها هو محاولة اسرائيل حل مشكلات سوريا مع اميركا بعدما بدأت مفاوضــــــــات غير مباشرة معها والامر نفسه صار مصـــــدر قلق لاكثر من جهة لبنانية وعربية واقليــــــمية بعضها حليف لسوريا.
لكن القلق لا يمنع نجاح المحاولة الا طبعاً اذا تدهورت الاوضاع الاقليمية في ســـــرعة وصارت الحرب الخيار الوحيد عند الجميع. اذذاك فان ما بعد الحرب هـــــــو الذي سيحدد مصير كل القضايا والازمات في المنطقة وكذلك مصير الدول والانظمـــــة والاوطان او على الاقل أحجامها.