توزير "حزب الله" لقانصو لتأكيد "انتصاره" في أيار..
ويثير أسئلة عن محاولته استدراج "جولة" جديدة
14 آذار: ضرورة احتساب الخُطى وحُسن القراءة.. و"لمّ" الوحدة
بتسميته الرئيس السابق لـ"الحزب السوري القومي الاجتماعي" علي قانصو للدخول إلى الحكومة، يُعطي "حزب الله" كمّاً "هائلاً" من الإشارات السياسية.
ثمّة إشارة "بديهية" وهي إعلانُ انّ التحالف الإيراني ـ السوري لا يزال قائماً إلى الآن وانّ جناحَي "المعارضة" لا يزالان متّحدين. وقد تكون التسمية "تسليفة" إلى النظام السوريّ.
والإشارةُ الأخرى التي ينبغي أخذُها في الإعتبار هي انّ "حزب الله" يذكّر بانّه ـ و"ملحقاته" ومن ضمنها "الحزب السوري القومي" ـ حقّق إنتصاراً عسكرياً في أيار الماضي وبأن هذا "الإنتصار" الذي تُرجم في السياسة بـ"الثلث المعطّل" يسمحُ له بأن يسمّي من يشاء ويتصرّف كما يشاء ويقرّر ما يشاء.
"حزب الله" يمعنُ في طعن "إتفاق الدوحة"
واشارة ثالثة تفيد انّ "اتفاق الدوحة" بالنسبة إلى "حزب الله" لا يمثّل أساساً لمصالحة لبنانية. والدليلُ على ذلك انّ الحزب ومنذ إقرار "إتفاق الدوحة" يمعنُ في "طعنه" أمنياً عبر مسلسل الأحداث الأمنية المتنقّلة في المناطق والذي لم يتوقّف إلى الآن، بل هو متصاعد في منطقة طرابلس هذه الأيام. كذلك يمعنُ في "طعنه" سياسياً، عبر عدم الإلتزام بالنصّ الذي يشدّد على تحريم استخدام السلاح لأهداف أو مكاسب سياسية من جهة وعبر عدم الإلتزام بالنصّ المؤكّد على بسط سيادة الدولة على كامل الأرض اللبنانية وعلى حصرية السلطة العسكرية والأمنية في يدها من جهة أخرى.
..ولا يرى الحكومة حكومة مصالحة
وفي هذا الإطار، كان لافتاً انّ "حزب الله" فصل البيان الوزاري للحكومة العتيدة عن "إتفاق الدوحة" ومضمونه وعن خطاب القسم الرئاسي المؤسس على إتفاق الطائف و"إتفاق الدوحة". وقد ذهب أحد قيادييه قبل أيام قليلة إلى حدّ إعتبار عقد طاولة الحوار الوطني في القصر الجمهوري قبل البيان "ضرباً من الخيال"، وأضاف "كي لا أقول أكثر من ذلك" (!). وهذا ما يعني انّ البيان الوزاري "المرغوب" من جانبه هو البيان نفسه للحكومة السابقة كحدّ أدنى وكأن شيئاً لم يحصل خلال السنوات الثلاث الماضية ممّا يستوجب "تكييف" البيان مع المستجدّات.
وعلى هذا الأساس، فإن الإشارة الرابعة، هي انّ "حزب الله" لم يعتبر قبلاً ولا هو يعتبر اليوم انّ "حكومة الوحدة الوطنية" تتوّج مصالحة أو تؤسس لمصالحة أو تفتح المجال لتسوية أو تكرّس تسوية، بل هي إطارٌ لمرحلة إنتقالية من أجل السيطرة على الحكم، وإطارٌ لإستنزاف الوضع السياسي.
إستدراج "جولة" جديدة
ولذلك، فإنّ أخطر ما يجدرُ الانتباه إليه ـ في إشارة خامسة ـ هو انّ "حزب الله" الذي يعرف جيّداً انه بتسمية علي قانصو يقدّم إسماً إستفزازياً ومسؤولاً في حزب يشكّل جزءاً عضوياً من "المنظومة السورية"، إنما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان يسعى إلى إستدراج "جولة أمنية" جديدة، بذريعة رفض توزير قانصو من جانب الأكثرية. والأشدّ خطورةً من كلّ ما سبق هو ان الحزب يؤشر إلى "نهج" يزاوج بين "الإملاء السياسي" و"الضغط الأمني" يعتمده للمرحلة الفاصلة عن الإنتخابات النيابية العام المقبل.
للجنرال ميشال عون أن يفكّر كما يشاء، وأن يمتدح الدعم الذي لقيه من "حزب الله" لمطالبته بما يسمّى "حقوق المسيحيين". بيد انّ "السخاء" من جانب الحزب لا يعني إقراراً لـ"حقوق المسيحيين"، والأهم انّ حقوق المسيحيين ـ كما حقوق سائر الطوائف ـ تبدأ من الإقرار بموقعهم اللبناني وبالهوية اللبنانية، وليس بـ"أخذهم" إلى خيارات غير لبنانية، وما قيمة وزير أو وزيرين بالزائد وحقيبة أو حقيبتين بالزائد إذا كان الثمن إدخال المسيحيين في "مشروع الممانعة" الذي تقوده إيران ودفعهم إلى القبول بـ"تمديد" عملية تعليق بناء الدولة. ولا بدّ أن تلفت الجميع حقيقة توزيع "حزب الله" لـ"السخاء" بين "التيار العوني" و"الحزب السوري القومي".
"القومي" وقانصو: "فرع" لـ"أصل"
حيال ذلك، كيف التعاطي مع توزير قانصو؟
لا شكّ انّ ردّ الفعل الأولي هو إعتبارُ هذا التوزير غير مقبول. فهو غير مقبول لانّ حزب قانصو يمثّل ما يمثّله سورياً، ولانّ دخوله إلى الحكومة يعني تمثيلاً مباشراً و"شخصياً" لسوريا وواحد أو أكثر من أجهزتها، ولان وجوده في الحكومة يذكّر بصفحات "كالحات" من التاريخ اللبناني الحديث.
غير انّ التركيز على دور "الحزب السوري القومي" ورئيسه ـ السابق ـ في غزوة بيروت وفي أحداث الشمال في أيار الماضي، هو كالتركيز على "الفرع" و"التفصيل"، لانّ هذا الحزب كان ملحقاً بـ"حزب الله" وغزوته، وإن كان "تميّز" بـ"أعمال" القنص والحرق وغيرها من حرق وتدمير لـ"تلفزيون المستقبل" ومقرّات لـ"تيار المستقبل".. وتمزيق صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإستبدالها بصور رأس النظام السوري. وإذا كانت الأكثرية ترضى بالمشاركة في حكومة واحدة مع "الأصل" فلماذا "تغصّ" بـ"الفرع"؟
هي ليست دعوة إلى القبول الطوعيّ بتوزير قانصو.. بل هي دعوة إلى حُسن تقديم أسباب الرفض، وإقتراح المخارج. ودعوةٌ إلى حسن قراءة الظروف والمعطيات. ودعوةٌ إلى دراسة ظروف المعركة السياسية للأكثرية. وبكلام آخر، هل يكون رفض توزير علي قانصو عنوان المعركة السياسية؟ وهل هكذا عنوان صحيح؟ وما هو العنوان الصحيح؟
على سبيل المقارنة، إندلعت "غزوة أيار" بـ"ذريعة" قرارَين لمجلس الوزراء يتعلّقان بأمن المطار من ناحية وشبكة إتصالات "حزب الله" من ناحية ثانية. ليس المهم أن القرارَين كانا صحيحَين سياسياً وهما كانا صحيحَين بالفعل، فـ"الأهم" أن القرارَين ـ كما ظهر ـ لم يكونا في إطار معركة سياسية "مخطّطة" معروف كيف تبدأ ومطروحٌ لها نهاية محدّدة.. وإلاّ هل كان العنوان المطروح للمعركة عنواناً "نموذجياً"؟ وهل لم يكن تقدير بأن "الطرف الآخر" سيقوم بما قام به؟
14 آذار: إستيعاب نتائج أيار
ما المقصود قوله مما تقدّم؟
على الأكثرية "إستيعاب" ما حصل والاعتراف بأنها لم تخرج "متفوّقة" من أحداث أيار ولعنتها، بل لعلّها خرجت بـ"خسارة متوازنة" ـ إذا جاز التعبير ـ وبأنها "عوّضت" بالنصّ السياسي لـ"إتفاق الدوحة" من جهة وبإنهاء الشغور في رئاسة الجمهورية بانتخاب الرئيس ميشال سليمان من جهة ثانية، ثمّ بعودة الرئيس فؤاد السنيورة إلى رئاسة الحكومة من جهة ثالثة.
.. وبلورة إطار المعركة السياسية
ثمّ إن الأهم بما لا يُقاس أنّ على الأكثرية إعادة لمّ وحدتها. عليها تقويم المرحلة وتحديد رؤيتها وبلورة اتجاهاتها وتعيين أهدافها، وبعد ذلك الانطلاق إلى الأهداف بمراعاة لـ"الخصوصيات" ضمنها وما بين مكوّناتها. فلا يمكن لـ14 آذار أن تقدّم مشهداً غير موحّد ولا تكون في صدد تشجيع "الطرف الآخر" عليها. ولا يمكن ـ وليس مقبولاً ـ أن تقرّر غير موحّدة معركةً بعنوان معيّن تعرف أنها قد تضطرّ للتراجع عنه أو قد تضطرّ للتراجع عنه من دون أن تعرف سلفاً.
بصراحة تامة، إن السطور الأخيرة هذه تعكس ما يقوله الرأي العام في 14 آذار، التيّار الشعبي العريض لـ14 آذار، جمهور 14 آذار. ويقول أيضاً إنّ المعركة السياسية لم تنتهِ بعد وإنّها مستمرّة وإنّ إعادة صياغتها بعد تحديد عوامل القوة وعوامل الضعف مطلوبة. ويقول أخيراً إنّ كل "التناقضات الثانوية" يجب أن "تعالج" بأفق المسألة الرئيسية التي هي مشروع الدولة. ويُنهي ـ الجمهور ـ بالتشديد على أهمية العلاقة برئيس الجمهورية وخير خدمة له هي إبقاء قدر من التوازن السياسي في البلاد بما يحمي عهده.