أكثر من حكومة انتخابات
ماذا لو تألفت الحكومة اليوم أو غداً.. أو لاحقاً، من ضمن العناصر والمعطيات والمؤثرات الميدانية الراهنة (العنف الانقلابي واستمرار التهديد بالغزوات والفتوحات، أو ضمن ما سُمي "حكومة الوحدة الوطنية" أسوة بـ"رئاسة جمهورية الوحدة الوطنية.."، و"مؤسسات الوحدة الوطنية" و"جمهورية الوحدة الوطنية"، على غير توازٍ والعملية الديموقراطية المتمثلة بالانتخابات النيابية والحكومة التي فازت بثقة المجلس.
لا نظن أن الاتجاهات العنفية ستتوقف عند من يمارسونها ببرمجة معروفة، ومارسوها على امتداد ثلاث سنوات ببرمجة معروفة. ومن يراهن على أن حكومة الوحدة "الوطنية العتيدة" ستنقل الصراع إلى داخلها، دون الشارع والأحياء والمناطق، قد يقع في رهان غير واقعي باعتبار أن ما سبق تأليف الحكومة لا يختلف عما سبق مؤتمر الدوحة لا ما تلاه… ولا ما سيتلو التأليف.
فالصيغة الوزارية كما تطرح كأساس ليست فقط تمثيلاً للشرائح الطائفية (محاصصة)، وليست مجرد "تناتش" على حقائب سيادية وغير سيادية، وليست تنافساً لقطف "انتصار" فردي أو حزبي.. ولكنها في الواقع "هيئة دول متعددة" في اجتماع "قسري" دائم أو عابر.
وبهذا المعنى علينا أن نحصي هذه الدول المتمثلة في الحكومة وتناقضاتها ومصالحها ومطامعها وخططها واستراتيجياتها، لنقدّر مدى صعوبة أن تقلع وحدها من ضمن ثقة يوليها مجلس نواب صار "مجلس أمم".
لا تقلع إذاً حكومة لبنانية (كما هي الصيغة) من دون حكوماتها الداخلية، ولا تنتج حكومة لبنانية إذا كانت الحكومات غير اللبنانية داخلها لا تؤمن بالإنتاج، ولا تحكم حكومة لبنانية إذا كانت الحكومات غير اللبنانية داخلها لا تريد أن يُحكم البلد من الداخل: أي تحت سقف الدولة، ولا تحقق حكومة لبنانية سيادتها على كل أراضيها إذا كانت الحكومات غير اللبنانية داخلها ترفض سيادة الدولة على كل أراضيها، ولا توحد "حكومة وحدة وطنية" المؤسسات والمناطق إذا كانت الحكومات غير اللبنانية داخلها تنفذ ميدانياً سياسة كانتونية وإدارات أمنية وسياسية ذاتية.
وعلى هذا الأساس لن يكون الوضع بعد تأليف الحكومة مختلفاً (إلا بالشكليات ربما) عما كان قبله. وكما سبق أن قلنا ستشوبها حالة الاضطراب والارتباك داخلها.. وخارجها: في الداخل: ستستمر "الظواهر الانقلابية" بتجديد محاولاتها وأساليبها بتعطيل متقطع أو موصول لما يسمى "آلية" الحكومة وتالياً آلية الحكم والحكومة.. وصولاً إلى مجلس النواب والجيش.. وعلى هذا الأساس ستعمل "الظواهر الانقلابية" وهي داخل الحكومة على إبقاء القرارات المصيرية أو الكبيرة خارج الحكومة والمؤسسات في أيدٍ حزبية مرتبطة بالخارج: وهل نظن أن حزب الله سيقبل أن تشاركه السلطة (أو الدولة) وهو ممثل فيها، بقرارات الحرب والسلم إذا صدرت من الآخرين أو الأبعدين في الخارج: يشارك الآخرين، أما الآخرون فلا يجب أن يشاركوه من منطق وطني أو قومي أو إلهي أو فقهي أو كلها معاً حتى إشعار آخر. ولا نظن أن مسألة سلاح حزب الله والأسلحة خارج المخيمات وعند الميليشيات "الانقلابية" المستحدثة والجاهزة لكل دور، ستحسم في هذه الحكومة: فسلاح الدولة لنا وسلاحنا لنا… وتالياً "لهم". وهو مقدس لأنه "أبدي"، حتى ولو تحررت مزارع شبعا… والجولان… فلن نتحرر من سلاحنا: إلا بعد تغيير وجه العالم! (نتذكر الأمميات الشيوعية واليسارية والقومية ونبتسم لهذه الشعارات التي صارت هزلية). فكيف لحكومة "غير مقدسة" أن تبحث بمسألة مقدسة… وكيف لحكومة خليط أن تبحث بأمة موحدة صافية كعين الديك (نتذكر شعارات الأمة العربية الواحدة عن أهل الأنظمة).
فالحكومة من الداخل ستكون حكومات، و"الوحدة" ستتجسد "كانتونات"، والتضامن "المنشود" سيكون "هدنات" عربية ودولية. وهكذا يمضي "الانقلابيون قدماً في تعطيل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية من داخل الحكومة.
أما في الخارج، أي في الشارع، فلن "يتميز" الوضع عما هو داخل الحكومة: فالرابط واحد والمربوط واحد والكامخ بينهما بإذنه تعالى واحد!، ونظن أن الجهوزية الأمنية المسلحة لدى الانقلابيين ستبقى سيفاً مصلتاً فوق رؤوس "الأكثريين" تستخدم عند كل مناسبة أو قرار أو مرسوم لا يعجب أهل "الثلث المعطل". ففي الحكومة ثلث معطل وخارجها "أسلحة ميليشيوية" معطلة. في داخلها احتياطي "الوصايتين" المستنفر لكسر المعادلات، وخارجها الاحتياطي ذاته في الاعلام والميديا، وفي الساحات: ستستمر سياسة التخوين على ألسنة احتياطيي الداخل.. وكذلك على ألسنة احتياطيي الخارج: فالتخوين يعني إهدار الدم: القتل. وهو أكثر من تهمة سياسية: خيانة عظمى. (والجميل ان الخونة هم الذي يتولون تنفيذ هذه المهمة التخوينية المخابراتية!). وهذا من شأنه كسلاح نفسي (قابل للتنفيذ مادياً) أن يؤثر ويحبط ويحمل "الآخرين" على رفع الأيدي استسلاماً…
ما نقوله ليس جديداً. ونظن أن كثيرين غيرنا يقولونه وبأفضل منا. لكن ما نحاول أن نعبّر عنه أن هذه الحكومة (إذا تألفت) فستكون ربما آخر حكومة استقلالية، أو جسراً لأول حكومة استقلالية (بعد الانتخابات) مكتملة. بمعنى آخر فإن هذه الحكومة ستكون معبراً إما إلى نظام ديموقراطي متعدد سيادي وإما إلى النظام الذي كان سائداً إبان الوصايتين: نظام المخابرات والقمع والنهب والتحريم… والسجن والاغتيال. وهذا يقود إلى أنه إما أن يكون عندنا نظام "عروبي" بمواصفات عروبة تحتوي على نظام قيم ديموقراطية وانسانية وتعددية ومفتوحة على العالم، وإما نظام هجين يجمع بين فلول وسحن أنظمة "عربية" دكتاتورية وفاشية و"تطلعات" أنظمة أعجمية قائمة على سيادة المرشدين والفقهاء والمتشدّدين.
ولهذا نرى، انه، وباعتبار أن الاستقلال والسيادة لم يكونا ناجزين لوقوف أهل التحرير في وجه الاستقلاليين (يا للغرابة والمفارقة!)، ولمحاولات التخريب المستمرة والعاتية (ساندها اعلام ما: فيا للأسف أن يتولى اعلام ضرب الديموقراطية التي يتكلم باسمها! يا عين! براو)، والجارفة والمجنونة من وراء الحدود وبأيدٍ محلية معروفة تفتخر بعمالتها النظيفة للخارج، فإن الحكومة العتيدة ستكون أكثر من حكومة "خدمات"، أو إشراف على العمليات الانتخابية. لأن رهان "الأقلية" الحالية بدأ انتخابيا بغزو بيروت وإحراق التلفزيونات والصحف والمستوصفات، والهجوم على الجبل، وافتعال جبهات في طرابلس وربما غداً في مناطق أخرى: كصنين أو جرود كسروان أو جبيل.
هذه الأحداث المفتعلة، موجهة إلى الحكومة لاستيعابها، وموجهة إلى ناس الأكثرية لترويعهم وإحباطهم وزرع الشكوك فيهم. فالانتخابات بدأت بسلاح حزب الله ومشتقاته مقابل جمهور أكثري ما زال ضد مواجهة الميليشيات الالهية بسلاحها المتدفق من لدن الوصاية الساسانية.
سلاح ترهيبي للحصول على ثلثي مجلس النواب العتيد ليتم عبر ذلك ربما خلع الرئيس ميشال سليمان والاتيان بإميل لحود آخر (وحتماً لا يريدون ميشال عون! في حال نجح انقلابهم!) هذا ما لم يفهمه الجنرال حتى الآن بالرغم من "حصافته" و"نباهته" و"حدة ذكائه"!)، وضرب كل الانجازات الاستقلالية وحرية التعبير وإعدام كل تعددية فكرية (أبلغ تعبير إقدام "الأبطال" على إحراق تلفزيون "المستقبل" وجريدة "المستقبل"… ليصبح الاعلام أحادياً! فما أجمل الفاشية عندما يفتخر بها الفاشيون).
على هذا الأساس يطرح التساؤل: كيف يواجه الديموقراطيون والمتنوعون والسياديون والاستقلاليون هذه "الأخطار" المقبلة: أبصراع حول الحقائب الوزارية (أو ما استبقي لهم) بينهم: بين اشغال أو عدل أو تمثيل نسبي أو غير نسبي… أو بانكفاء أو بانتقال إلى خيارات أخرى: أي إلى الضفة الأخرى!.
هل تواجه الأكثرية الراهنة محاور هذه المنقلبات بصفوف متداعية أو بمكتسبات "آنية"، لتتخلى عن أهم ظاهرة سياسية حققت في 14 آذار اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أضاء دمه شعلة الاستقلال؟، أم أن كل فريق من أولئك الفرقاء (وبذريعة التعدد) سيعمد إلى الانكفاء داخل طائفته، فتكتمل الانعزالية عندها… ونعود إلى الزمن السابق زمن حروب "الانعزاليات" الطائفية المموهة. وعندما يكون لنا أن نتوجه إلى الحكومة المفترض أنها "أكثرية" برغم كل جنون الأقلية وفجورها، فيعني التوجه إلى الناس، إلى مئات الألوف الذين آمنوا بإنجازات الاستقلاليين، وحموها، ودافعوا عنها، وانخرطوا في صنعها.
ماذا سيقال لهؤلاء: دبروا حالكم فنحن دبرنا حالنا! وأي إحباط سيصيب هؤلاء: وعندها تكون الحركة الاستقلالية الأخيرة، وعندها يكون جمهورها في أمكنة أخرى، وعندها تكون الجمهورية في غير الجمهورية، والوطن في غير الوطن!.
الكل يعي صعوبات المرحلة ولا سيما بوجود سلاح حزب الله مشهوراً في وجه اللبنانيين، وتعزز نفوذ الوصايتين عبر أسلحة حلفائهما، وغزواتهم، وبداية تخلي بعض المجتمع الدولي عن البلد لمصالح وتوطؤات وصفقات ومفاوضات… لكن ومتى لم يكن الوضع صعباً عندنا على امتداد العقود الأربعة المنصرمة، ومتى لم تكن المؤامرات شغالة علينا من الأقرب والأبعد، ومن العدو والأصدق؟.
لبنان، من جديد، على مفترق، و"أهل الصبي" أولى بإنقاذه.. ولهذا نرى ان تطلق على الحكومة العتيدة صفة "الانقاذية" بدل "الوحدة الوطنية".
لأنها إن لم تكن إنقاذية فلن تكون للوحدة الوطنية!.