#adsense

المسيحيون يحسمون بين السنّة والشيعة… إنتخابياً

حجم الخط

المسيحيون يحسمون بين السنّة والشيعة… إنتخابياً

المعركة الانتخابية النيابية الحقيقية لسنة 2009 لن يكون مسرحها الفعلي الدوائر الانتخابية التي يشكل فيها الناخبون المسلمون الشيعة أكثرية مرجحة ورابحة ومربحة. ذلك أن النتائج فيها لا يمكن الا ان تكون محسومة اولاً لمرشحي "حزب الله" القائد الاول للطائفة الشيعية في لبنان، وثانياً لمرشحي حركة "امل" القائد الثاني للطائفة، وثالثاً للمرشحين المسلمين غير الشيعة وغير المسلمين الذين قضت مساقط رؤوسهم واماكن ولادتهم ومقار اقامتهم القانونية أن يكونوا في مناطق تلك الدوائر. اما اسباب الحسم الانتخابي المشار اليه فكثيرة ومتنوعة، منها الشعبية الواسعة بل الشاسعة للحزب ثم للحركة في تلك المناطق والتي كوّنها تاريخ الاثنين في مقاومة اسرائيل، ثم في تحرير الاراضي المحتلة منها التي صودف ان غالبية سكانها شيعة. ومنها التنمية الكبيرة التي وفّرها الاثنان سواء من موارد الدولة او من موارد خارجية اخرى للمناطق الشيعية من جنوبية وغير جنوبية. ومنها المال "النظيف" الذي كان دائما متوافرا عند الحاجة وبكثرة وايضاً حاضراً ليس لـ"رشوة" الناس بل لمساعدتهم على تجاوز صعوباتهم الحياتية والاقتصادية والاجتماعية وخصوصا من خلال تأمين فرص عمل متنوعة لهم داخل مؤسسات ومنظمات انشأوها وتتعاطى غالبية الاشغال ولكن من منطلقات اسلامية شيعية هادفة الى خدمة المصالح الاسلامية الشيعية في لبنان. ومنها السلاح "الطاهر" الذي حرّر الارض ولا يزال حاضراً للدفاع عنها وسيبقى حاضرا للقيام بهذه المهمة والذي في الوقت نفسه يمنع دونما اي حاجة لاستعماله او للتهديد باستعماله الخروج على الاجماع الشيعي الذي صنعه "حزب الله" حوله او بالاحرى التنوع الفاعل الذي قد يكون مُهدِّداً لسلطته السياسية والحزبية. ومنها شعور الفخر والعزة والكرامة الذي منحه الحزب واستطراداً الحركة للشيعة اللبنانيين والدور الواسع بل الأوسع في النظام اللبناني الذي مكناهم من الاضطلاع به او على الاقل من تعبيد طريقه باعتبار ان الاحجام والادوار النهائية عند الشعوب اللبنانية كلها لم تحسم نهائيا بعد بسبب عدم "حسم" الأوضاع الصعبة والمقلقة والخطيرة في المنطقة وبين بعضها والعالم.

والمعركة الانتخابية النيابية الحقيقية سنة 2009 لن يكون مسرحها الفعلي والحاسم الدوائر الانتخابية التي يشكل فيها الناخبون المسلمون السنّة اكثرية مرجحة ورابحة ومربحة. ذلك ان النتائج فيها لا يمكن الا ان تكون محسومة لمرشحي "تيار المستقبل" السني ولكل التشكيلات والشخصيات السنية الاخرى سواء كانت من السنة او من المسيحيين او من المسلمين غير السنة. اما اسباب الحسم الانتخابي المشار اليه فكثيرة ومتنوعة. منها الشعبية الواسعة لـ"تيار المستقبل" في الاوساط والمناطق السنية. ومنها شعور السنة اللبنانيين بأن الاستهداف الذي تعرضوا له سياسيا على يد النظام الذي كان سائداً ايام الوصاية السورية مستمر بعد انتهائها ولكن على ايدي مواطنيهم الشيعة بدعم من حلفائهم الاقليميين. وهو يتجاوز السياسة هذه المرة الى امور كثيرة مهمة ابرزها التهميش وشكلية الدور السياسي ولا فاعليته. ومنها المال "النظيف" ايضا المتوافر لدى الاحزاب والتيارات والمجمّعات السنّية الذي توفره لها جهات عربية مسلمة وسنّية والذي من شأنه مساعدة السنّة اللبنانيين على تجاوز مصاعبهم الحياتية والاقتصادية وتأمين الكثير من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والوظيفية لهم بعد عجز الدولة عن تقديمها لانهيارها من زمان ولانحيازها او لعدم اتساع افقها وبعد تفوّق الشيعة في اقامة بنية تحتية متنوعة تكاد تشبه بنية الدولة او على الاقل الدويلة، داخل الدولة. ومنها السلاح "الطاهر" بدوره كونه للدفاع عن النفس المتدفّق من كل حدب وصوب والذي يشد العصب وفي الوقت نفسه يحول دون الخروج على "الاجماع" السنّي علماً ان ما يمنع هذا الخروج قبل ذلك هو الشعور بالاستهداف عند الذين كانوا وربما لا يزالون حلفاء لـ"حزب الله" وحركة "امل" الشيعيين.

لماذا هذا الكلام؟

ليس للتحريض بين السنّة والشيعة كما قد يتبادر الى بعض الاذهان، فهو وصف حقيقي وشبه دقيق لواقع قائم لن يزول اذا انكرناه. لكنه لابراز حقيقة اساسية للبنانيين هي ان المعركة الانتخابية النيابية الحقيقية سنة 2009 هي التي ستجرى عند المسيحيين اي في مناطق الغالبيات العامية المسيحية التي لا تزال موجودة رغم تناقضها المنهجي. وهي موجودة في شمال لبنان وفي جبل لبنان وفي بعض بيروت. وذلك يعني انها ستكون معركة طاحنة بل معركة كسر عظم وخصوصاً بعدما انقسم المسيحيون على الاقل منذ عام 2005 فريقين واحدا يشكّل جزءاً مهماً من فريق 14 آذار وآخر يشكّل جزءاً مهماً من فريق 8 آذار. ونتائج هذه المعركة هي التي ستحدّد النتيجة النهائية للانتخابات النيابية كلها. ولهذا السبب يجب ألا يستبعد احد ان يُستعمل فيها المال "النظيف" سواء اتى من ايران الاسلامية او من دول عربية سنّية، وان يستعمل فيها ايضاً السلاح الذي بدأ يتوافر عند الجميع ومن مصادر متنوعة. ويجب ألا يستبعد احد ان تكون الآثار المسيحية لهذه المعركة بالغة السلبية مستقبلاً وخصوصاً اذا تحول المسيحيون ادوات يتقاتل بها المسلمون، وعذراً لهذه الصراحة الفظة النابعة من وصف لواقع وليس من تعصب طائفي او ديني او سياسي، وهذا امر ممكن لأن كلفته تبقى اقل عليهم من كلفة الحرب المذهبية الاسلامية – الاسلامية.

في اختصار هذا الوجه السلبي الذي يظهره التحليل للوضع الانتخابي اللبناني ولدور المسيحيين فيه يظهر في الوقت نفسه حقيقة اساسية ايجابية او يمكن ان تكون ايجابية هي ان المسيحيين، رغم تقلّص عددهم وضعف دورهم وتهميشهم انفسهم وتهميش غيرهم لهم وضعف امكاناتهم، لا يزالون قادرين على ان يكونوا مرجحين او ربما "بيضة قبان" بين مسلمي لبنان سنّة وشيعة وخصوصاً بعدما بدا ان هناك تكافؤا سلبياً بينهما سببه عجز احدهما عن الغاء الآخر او الحاق الهزيمة النهائية به رغم الميزان العسكري المختل بينهما. إلا أن شرط القيام بهذا الدور سيتطلب وحدة مسيحيين ووحدة رؤية للوطن واقتناعاً بان حروب المسلمين تُنهي المسيحيين ولبنان، وبأن المصلحة الوطنية تقتضي ان يتحول المسيحيون جسر ثقة بين السنّة والشيعة وعامل تفاعل قادراً مستقبلاً على تركيز اسس المواطنية السليمة في لبنان.

هل يقوم المسيحيون اللبنانيون بهذا الدور؟

لا يبدو ذلك ممكنا لانه يحتاج الى قامات كبيرة ليست متوافرة عند المسيحيين رغم اعتبار كل زعيم منهم نفسه قائداً مخلصاً وربما مسيحاً. ولانه يحتاج الى رؤوس مسلمة باردة. والظاهر ان الحماوة ضربت معظم الرؤوس الفاعلة داخل القيادات الاسلامية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل