المعارضة ضغطت سياسياً وأمنياً لتحصل على ما تريد
حكومة الأضداد ستكون حكومة تعطيل العمل وعرقلة الإنتاج
ماذا يقصد وزير الخارجية السوري وليد المعلم بقوله في حديث تلفزيوني: "ان الوضع الامني قد يصبح أسوأ اذا لم تشكل الحكومة في اسرع وقت". وقوله ايضا ان زيارة الرئيس السنيورة لسوريا تصبح ممكنة اذا كان رئيسا لحكومة وحدة وطنية". أليس في هذا الكلام تدخلا في شؤون لبنان وهو تاليا يلتقي ورأي كتلة "الوفاء للمقاومة" الذي اعلن بعد اجتماع هذه الكتلة وفيه: "ان التأخير في تشكيل حكومة الشراكة الوطنية بات يضغط على جميع اللبنانيين وينذر بتداعيات تؤثر سلبا على مجمل الوضع في البلاد".
لقد بات واضحا ان كل تطور سياسي يرتبط بتطور امني يسبقه وهذا التطور يمسك به "حزب الله" توصلا الى تحقيق اهداف ومكاسب سياسية. فاجتياح بعض شوارع بيروت في 7 ايار ومهاجمة بعض مناطق الجبل، عجّلا في الدعوة الى عقد لقاءات الدوحة والتوصل الى اتفاق يقضي بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية يكون لحلفاء سوريا فيها "الثلث المعطل". هذا الثلث الذي قال الرئيس الاسد انه يشكل ضمانا لعدم تسييس المحكمة ذات الطابع الدولي. وقد تبين ان سوريا هي التي ظلت تحث حلفاءها في المعارضة على الاستمرار في تعطيل الانتخابات الرئاسية الى ان تضمن لهم "الثلث المعطل" في الحكومة كي تطمئن الى وجهة سير المحكمة لانها تخشى عند مباشرة عملها ان تطال المحاكمات رؤوسا كبيرة.
وكان اصرار في لقاءات الدوحة على ان تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية وليس حكومة عادية او من خارج مجلس النواب اذا تعذر تشكيل تلك فتنتفي الحاجة عندئذ الى تمثيل الاكثرية الموالية والاقلية المعارضة فيها ولا الى وجود "الثلث المعطل".
ولم تكن سوريا تريد ان يكلف الرئيس السنيورة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لذلك لم يسمه حلفاؤها ونواب المعارضة في الاستشارات بل سموا سواه، وتولى العماد ميشال عون مهاجمته ووصفه بانه "مشروع حرب" وصار اتفاق في اجتماع لأركان المعارضة على ان يرفع العماد عون سقف مطالبه لعرقلة تشكيل الحكومة وهم يقفون معه ويربطون قبولهم المشاركة في الحكومة بقبوله، الامر الذي جعل الرئيس السنيورة يعتمد على طول صبره واناته ويلبي دعوة العماد عون للغداء في دارته في الرابية متناسيا كل الهجمات والاتهامات التي وجهها اليه ظنا من الرئيس السنيورة انه في حال توصل الى حل عقدة العماد عون، فانه يكون قد توصل الى تشكيل الحكومة بسرعة وازال من طريق تشكيلها كل العوائق.
لكن البعض اخذ على الرئيس السنيورة طريقة تعامله في الاستشارات لتأليف الحكومة، فقد درج اسلافه على ان يتخذوا مكانا لهم في مجلس النواب ويستدعون الكتل النيابية للتشاور معها في عملية التأليف، ثم يُطلعون رئيس الجمهورية على حصيلة مشاوراتهم واستشاراتهم، ولم يكن الرئيس المكلف يذهب بنفسه لمقابلة رؤساء الاحزاب والكتل ولا حتى القيام بزيارات للمرجعيات، وهي زيارات اذا كان لا بد منها فانها تتم بعد تشكيل الحكومة.
ومع ان الرئيس السنيورة ظن انه بمجرد توصله الى حل عقدة العماد ميشال عون وتناوله الغداء الى مائدته تسلك عملية التشكيل طريقها الطبيعي، فانه لم يكن يتصور ان المعارضة بعد حل عقدة عون تخبئ له عقدة جديدة هي الاصرار على ان يكون رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي السابق علي قانصو وزيرا، بحيث كاد توزيره يطيّر كل الوزارة.
وهنا يرى البعض انه كان على الرئيس السنيورة ان يطلب من المعارضة تقديم لائحة بأسماء من يرشحون للوزارة مع الحقائب حتى اذا تم التوصل الى اتفاق معها في هذا الشأن وصار اعلان ذلك ليكون الرأي العام شاهدا ولا يحصل تراجع عن هذا التفاهم، ينتقل عندئذ الى الاكثرية ليتفاهم معها على اسماء المرشحين لدخول الوزارة مع الحقائب.
ومع ان اتفاق الدوحة هو كل لا يتجزأ، فان المعارضة المتمسكة بتشكيل حكومة وحدة وطنية كي يكون لها "الثلث المعطل" فيها، لم تلتزم "الامتناع عن او العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية"، بل اخذت ترد على كل رفض لمرشح منها لدخول الوزارة او كل رفض لحقيبة، بتوجيه التحذير والتهديد من مغبة ذلك، وهو ما حصل نتيجة رفض الرئيس السنيورة توزير علي قانصو، اذ ان الرئيس بري اتصل به قائلا: "انصحك بان تقبل توزيره لانك اذا لم تقبل به ستضطر لاحقا الى القبول بمن لا يرضيك اكثر منه بكثير". وكان سبقه بيان لكتلة "الوفاء للمقاومة" عن "تداعيات تؤثر سلبا على مجمل الوضع في البلاد اذا استمر التأخير في تشكيل الحكومة"، ثم تهديد آخر من الرئيس بري بدعوة مجلس النواب الثلثاء المقبل الى عقد جلسة للبحث في الوضع الحكومي اذا لم يتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هذا الاسبوع، عل الاكثرية النيابية تقرر سحب التكليف من الرئيس السنيورة بتشكيل الحكومة واجراء استشارات جديدة لتسمية سواه.
وما الحديث التلفزيوني لوزير الخارجية السوري وليد المعلم عن ان "الوضع الامني قد يصبح أسوأ اذا لم تشكل الحكومة في اسرع وقت"، الا استكمال لتصريحات وبيانات حلفاء سوريا في المعارضة، وهذا ما جعل نوابا في الاكثرية لا يبرئون سوريا من عودة التفجير الامني في طرابلس بين جبل محسن وباب التبانة. وعودة اعمال الشغب الى بعض شوارع العاصمة، ومحاولة معاودة تعكير الامن في البقاع من اجل فرض الوزراء الذين تريدهم المعارضة في الحكومة مع الحقائب المطلوبة ولاسيما الوزير علي قانصو، لان المطلوب تشكيل حكومة وحدة وطنية بالاسم فقط، اما في الواقع فالمطلوب هو تشكيل حكومة متاريس داخل مجلس الوزراء، لمشاهدة صراع الديوك خصوصا على ابواب الانتخابات النيابية التي تكثر فيها المزايدات حتى الرخيصة منها والبطولات الوهمية، ومحاولة كل وزير يمثل المعارضة في الحكومة نبش دفاتر سلفه وتركيب ملفات فساد له كي يظهر هو امام ناخبيه مظهر النظيف النقي، والمحافظ على الاموال العامة التي بددها سواه…
هذه هي حكومة "الوحدة الوطنية" التي تتمثل فيها المعارضة ليس للعمل والانتاج بل لعرقلة كل عمل وتعطيل كل انتاج.