تعويل على إدراك ساركوزي الفارق بين الالتزامات والتنفيذ
الحكومة تحصّن سليمان في مفاوضاته الأولى مع الأسد
استفظع رؤساء بعثات ديبلوماسية في بيروت احتمال توجه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى باريس من دون التوصل الى تأليف حكومة جديدة. فهذا الامر كان سيسجل سلبا في خانة الرئيس الجديد الآتي من اكبر دعم دولي وعربي لانتخابه. وهو سيكون في اطلالته الخارجية الاولى ضعيفا ومقيّداً في مواضيع البحث، ايا تكن طبيعتها وايا يكن نظراؤه من رؤساء الدول الذين سيلتقيهم، ما دام سيستمر مفتقداً الآلية الدستورية والتنفيذية التي تسمح باطلاق العهد. وقد مورست ضغوط كبيرة من سليمان تحديدا ومن الدول المؤثرة على المرجعيات في الاكثرية من اجل توفير ورقة قوية لحضوره الخارجي للمرة الاولى منذ انتخابه في 25 ايار الماضي على اثر الاتفاق الذي وقّع في الدوحة. وزاد هذا الاستهجان الديبلوماسي كون الحكومة كانت قوسين او ادنى من اعلانها قبل ايام وعادت فتعقدت بترشيح "حزب الله" الرئيس السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو للوزارة، الامر الذي رأى فيه هؤلاء تعبيراً عن نية لعرقلة الحكومة واخضاع الاكثرية تحت وطأة التسليم بهذا الواقع او اخضاع الحكومة لبازار في مفاوضات الخارج بقطع النظر عما يمكن أن تسفر عنه.
في حين ان الافرقاء اللبنانيين، وخصوصا في الاكثرية، كانوا امام تحد حقيقي نتيجة الاستحقاق المتمثل في زيارة كل من الرئيس ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد لباريس والذي كان من المحتمل ان يخضع استحقاق الحكومة العتيدة لمقايضة مباشرة مع الرئيس اللبناني والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لقاء مطالب للرئيس السوري يقول مطلعون انه لم يحصل عليها، من اجل تحسين موقعه، من اتفاق الدوحة الذي تم ترتيبه على عجل من اجل وقف انزلاق الوضع في لبنان الى حرب اقليمية بين السنة والشيعة على اثر تدخل ايراني قوي لدى سوريا من اجل عدم نسف علاقاتها مع دول الخليج. وهذه المقايضة كانت ستتلخص في سحب اسم علي قانصو من التركيبة الحكومية في حين اختارت الاكثرية الخيار الاقل سوءا اي القبول بقانصو وزير دولة ومقايضته بابرهيم شمس الدين بما له من حيثية شيعية مهمة خارج فلك القوى المسيطرة على الارض، ولكن من دون اغفال او تجاهل واقع ان كل الجهد والطاقة اللذين وضعا لمواجهة ترشيح قانصو تم تضييعهما في الخلافات الداخلية داخل قوى 14 آذار، فضلا عن ان ذلك اتى على حساب الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان عارض بقوة ترشيح قانصو واساء اليه التراجع عن ذلك، علما ان الاسماء من خارج فلك الاحزاب والتيارات واستقطاباتها قد تكون وحدها التي تشفع بهذه الحكومة، اكانت هذه الاسماء من المسيحيين او من المسلمين، بما يعطي هامشا كبيرا لسليمان وقوة للسنيورة.
ويتحصّن رئيس الجمهورية في زيارته باريس ولقائه رئيسها، كما نظيره السوري، بالحكومة التي وضعها في جيبه وان يكن ينتظرها لاحقا البيان الوزاري الذي ربما يشهد تعقيدات مماثلة لتأليف الحكومة، وقد لفت بعضهم البيان الذي صدر عن السفارة الاميركية في بيروت عشية سفر سليمان في مناسبة الاعلان عن استمرار تدريب خبراء اميركيين للجيش. وقد جددت السفارة التزام الولايات المتحدة "بناء قدرات الجيش اللبناني ومواصلتها تقديم الدعم الى حكومة لبنان والجيش بينما يستمران في بذل الجهود للحفاظ على سلام لبنان ووحدته". وهذا امر قد يكون هناك من يرغب في تفسيره دعما لموقف سليمان بالتأكيد فيما قد يفسره آخرون التفافا مسبقا على مخاوف قد يتم التسليم بها نتيجة اعتبارات مختلفة بينها الوضع الامني المقلق على اكثر من صعيد. وهذا التأكيد الاميركي قد يحرج سليمان الذي ربما يحتاج الى طمأنة نظيره السوري الى هواجسه من الوضع في لبنان في ضوء الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الى الجيش والذي هو دعم ليس موضع ترحيب لا من سوريا ولا من حلفائها في المعارضة سابقا (اذ ان كلمة معارضة لم تعد تنطبق على قوى 8 آذار المتمثلة بالثلث المعطّل في الحكومة).
فاللقاء الاول المرتقب بين الرئيسين سليمان والاسد منذ انتخاب سليمان يفترض، بحسب مصادر متابعة، ان يسعى الرئيس اللبناني من خلاله الى التفاهم مع نظيره السوري الذي كان رافضا وصول سليمان الى الرئاسة في المدة التي فصلت بين انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية واتفاق الدوحة. ثم فرض اتفاق الدوحة انتخاب سليمان ولم تكن سوريا قد تخلت عن تحفظاتها ازاءه، كما انها تحفظت عن جملة نقاط وردت في خطاب القسم وتتعلق بالندية في العلاقات بين البلدين وبالتزام المحكمة الدولية. وكرر سليمان امس موقفه هذا من المحكمة عشية توجهه الى باريس.
وهذا التفاهم يتعين ان يفضي، "إذا كان مربوطاً بسلة من الاغراءات الفرنسية، الى تخفيف الضغط عن لبنان لئلا يواجه عند كل منعطف التحدي الذي واجهه في تأليف الحكومة. وهذا أمر يتوقع كثيرون في لبنان ويتمنون ان يدرك الرئيس الفرنسي داعما للبنان ولرئيسه في محادثاته مع نظيره السوري، فلا يؤخذ بالالتزامات العلنية البراقة التي تخفي في طياتها وتفاصيلها الكثير من الالغام، وخصوصا ما يتعلق منها بالوضع الداخلي الذي تحسن سوريا التلاعب به من خلال استمرار امساكها بالكثير من مفاصله.