المصارحة شرط للمصالحة
الآن وقد ولدت حكومة "وحدة وطنية"، وان لم يكن هذا الوصف دقيقاً، حان الوقت للتوجه سريعاً الى معالجة صادقة للعلاقات اللبنانية – السورية وتأكيد استقامتها بما يضمن استدامتها وينقلها، اذا امكن، من علاقة "مميزة" الى علاقة "ممتازة". فالعلاقة "المميزة" انطوت على معنى الاستثناء في العلاقات مع غيرها من الدول العربية، في حين ان السعي الى علاقة ممتازة يحمل في ثنايا احتمال تحولها نموذجاً لعلاقات العرب بعضهم مع بعض ويمكن الاقتداء بها، علما ان ما رافق العلاقات السورية – اللبنانية من "تميز"، بات مدعاة نفور، لكونها من نوع العلاقة المفروض اجتنابها.
من هذا المنظور يتعيّن على كل من سوريا ولبنان اعادة النظر في طبيعة العلاقة المستقبلية بينهما، لإزالة إرث الشكوك والتوترات وما افرزته من عطب مسيء لكل منهما، واهم من ذلك لشعبيهما، ولذا، فترميم العلاقة يعتبر من الاولويات المباشرة لعهد الرئيس ميشال سليمان، والتي تستوجب ان يكون اكثر حضورا واشد وضوحا وحسماً كي يغطي فجوة كون مرجعية الحكومة الجديدة ليست هي ذاتها، بل في حكومة "الظل" المكونة من زعماء الطوائف الرئيسيين، اي "الاقطاب" المبتعدين عن "الحكم" كي يمارسوا التحكم الفعلي في القرارات المصيرية التي لا تزال غير مهيأة بما فيه الكفاية لـ"وحدة وطنية".
من هنا، على رئيس الجمهورية الا يكتفي بتفسيرات لاتفاق الطائف او الدوحة، مع الاقرار بشرعية دورهما، الا ان تأكيد دوره الحاسم في هذه اللحظة يفرض ان يتعامل بشكل شفاف مع الحكومة ومع المتحكمين، بمعنى ان الازدواجية بين الحكم والتحكم يجب الا تؤول الى عرقلة هندسة الاستراتيجية المصيرية في المرحلة الراهنة، لكون تسارع التطورات في المنطقة العربية يفرض حسم الاولويات وتوفير المناخ الذي يمحض لبنان مناعة تجيز له تجاوز جميع العوامل التي همّشته وقسمت عملياً طاقته للالتحام والانطلاق.
•••
ونظراً الى ما يتوافر للبنان من فرص جديدة لتوضيح اولوياته واستعادة ادواره وتحديد اهدافه الوطنية والقومية، نجد ان عليه الاستفادة من الاحتضان الذي يتمتع به عربيا ودوليا. يستتبع هذا التطور الذي ملأ فراغي الرئاسة والحكومة ان نبدأ بجعل العلاقة اللبنانية – السورية احدى الاولويات، فنخرجها من حالة الشكوك المتبادلة الى الاستقواء الواحد بالآخر.
•••
هذا ممكن وضروري ومطلوب وصعب، لكنه ممكن. ولكي يصبح ممكناً علينا جميعاً، لبنانيون وسوريون وعرباً، أن ننطلق من اقتناع مؤكد بأن مصيرنا واحد وان الواقع الراهن لحال الامة العربية مغاير لهذا الاقتناع. لذا فاعادة ترميم العلاقة اللبنانية – السورية، في حال نجاحها تعيد واقعية الاستشعار بوحدة المصير علماً ان "الواقعية" الحالية المتمثلة بالتفكيك والفلتانات في النظام العربي القائم هي التي مهدت للتفتيت داخل الاوطان وجعلت الكثير منه مستباحاً وحوّلت المراهنات الجاهلة ارتهانات خانقة.
لسنا هنا في صدد اجترار العديد من اسباب الشطط الفاقع في العلاقة السورية – اللبنانية، على الاقل في ربع القرن الماضي. هذا يعني ان علينا جميعاً أن نعي العوامل التي اذا استطعنا تفعيلها تصبح مسيرة الاستقامة متواصلة بدون تقطع، وتصبح النتائج المرجوة اقرب الى ان تكون مضمونة وإن رافقها بعض الصعوبات والعراقيل.
•••
ما هي هذه العوامل في ضوء المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مع الرئيسين السوري بشار الاسد واللبناني ميشال سليمان في حضور امير قطر، وقد كانت هناك موافقة على ضرورة اقامة علاقات ديبلوماسية مباشرة بين سوريا ولبنان.
اولاً – صحيح انه من موقعي الفكري اشعر بألم عميق ان يكون بين الدول العربية علاقات "ديبلوماسية". لكن واقع الامة العربية يعبّر عن ذاته في نظام عربي يفترض به تنسيق دول سيدة مستقلة نتيجة ظروف متباينة في اوقات استقلالها والطبيعة المختلفة لظروف النضالات الوطنية في مختلف الاقطار العربية. من هنا كان استثناء سوريا ولبنان من قيام علاقة ديبلوماسية شاذا عن النمط السائد مما اوجد انطباعاً، خصوصا في السنوات الاخيرة، ان التردد في انشاء مثل هذه العلاقة يعود الى نقص في صدقية اعتراف بسيادة لبنان، وما رشح هذا الاقتناع عند بعض الفئات اللبنانية هو تصرفات اجهزة المخابرات السورية في لبنان. وحتى لو كانت هناك مبالغات في التخوفات من اهداف سوريا في هذا الشأن، الا ان بت هذه القضية يزيل المخاوف الصحيحة، او المبالغ فيها، وبالتالي التطابق في طبيعة العلاقات بين الدول العربية بما فيها سوريا ولبنان.
ولكن لا بد في هذا الموضوع من التأكيد ان التطابق المشار اليه والذي يميز النظام العربي القائم، ليس هو المعبّر الحقيقي عن مشاعر شعوب الأمة العربية وتطلعاتها ومصالحها.
وهذا ما يفسّر ازدواجية المشاعر التي تنتابني وكثيرون مثلي في لبنان وسوريا، فمن جهة شعور بصواب قرار تبادل العلاقات الديبلوماسية، ومن جهة اخرى تأسف، لأن هذه ضرورية وهي المدخل للطمأنة ولاستقامة العلاقة بين سوريا ولبنان.
والسؤال: لماذا هذه الازدواجية في مشاعر العديد منا في هذه اللحظة؟ الاجابة صعبة ولكن يمكن تلخيصها بالآتي: بين الشعوب العربية ثمة تداخل تلقائي متواصل ترفده عناصر عديدة كالتي تجعلنا على رغم هوياتنا القانونية – اللبنانية المصرية – السورية نرفض التخلي مطلقاً عن الهوية القومية الجامعة بين اوطان العرب. لذلك وجدنا دوماً انه كان هناك نقص في فهم هذه الازدواجية، ممن يعانيها وممن اعتبروا ان الحنين الى عروبة الهوية صار خارج الواقع السائد، وبالتالي تحوّل منافياً لواقعية قائمة، وليس هنا مجال مناقشة هذه الاشكالية. كل ما يمكن ان يقال في مناسبة احتمال قيام علاقات ديبلوماسية بين سوريا ولبنان، هو اذا كان قيامها يساهم في ازالة شكوك عالقة سببها تدخلات سافرة في السنوات الاخيرة، فهذا يجب الا يعني ان التداخل التلقائي والطبيعي بين شعبي سوريا ولبنان قد يتوقف. والواقع ان توقف "التدخل" قد يسهل التداخل ويعمقه ويثريه ويجعله اكثر دفئاً وتناغماً.
كما اعتقد في هذا الصدد ان السؤال الساخر الذي طرحته مندوبة "الاوريان" على الرئيس الاسد عما اذا كان سيعين رستم غزالي سفيراً سورياً في لبنان، وقد انفجر ضحكاً، لعله يفسّر الى حد ما استيعابه، وان رمزياً، ان اداة التدخل هي التي حالت دون دينامية التداخل. من هذا المنظور، قد ينطوي انفجار الضحك عند الرئيس الاسد على نقد ذاتي باللاوعي. وهذا يعني ان الوعي لما يجب ان تكون عليه العلاقة صار مستحباً.
وهذا بدوره يجب ان يؤكد ضرورة المصارحة في الحوار المنتظر بين سوريا ولبنان وبين الاطراف اللبنانيين عندما يدعو الرئيس ميشال سليمان اليه عند عودته، لكون الرئيس كان مرشحاً "توافقياً"، اي رئيس المصالحة بين اللبنانيين انفسهم وبين سوريا ولبنان.
لذا عليه كرئيس للبنان ان يصارح كي يحقق ما انتخب من أجله، وهو ان يصالح، هذه رسالته في الحوار المرتقب، كي ينجز ما استشهد به في مؤتمره الصحافي في باريس، قول البابا يوحنا بولس الثاني: لبنان الرسالة.