حكومة التقاط أنفاس… ماذا عن المستقبل؟
لا يستطيع اللبنانيون الا ان يرحّبوا بنجاح رئيس الوزراء المكلّف فؤاد السنيورة في تأليف الحكومة الاولى في العهد الرئاسي الجديد وإن بعد مخاض عسير استمر 45 يوماً وتخللته "كباشات" قاسية جداً بين الاطراف المباشرين في الصراع الداخلي وكذلك بين رعاتهم الخارجيين بواسطتهم. ذلك انها من جهة منحتهم فرصة لالتقاط الانفاس بعد مدة طويلة من التوتر والاحباط والغضب وانسداد افاق المستقبل وفرصة ربما لإمرار موسم السياحة والاصطياف رغم "العطب" الذي قد يكون لحق به بسبب التأخر في تأليف الحكومة. ومن جهة ثانية تجمد الاعمال العسكرية والعنفية ولكن لا تلغي احتمال تجددها وتوسعها وتنقّلها من منطقة الى اخرى.
والناس قد يكتفون بذلك الآن اعتقاداً منهم ان دخول كل الاطراف الى الحكومة ربما يفتح مجالاً حقيقياً للتعايش في ما بينهم رغم العداوات العميقة والمزمنة والارتباطات الخارجية والاهتمام الجدي بالقضايا التي تمس مباشرة معيشة اللبنانيين واقتصادهم وذلك ريثما يتوصل الخارج المتصارع بواسطة هؤلاء وغيرهم في المنطقة الى تسويات تنهي الصراع او الى قرارات تحسمه في صورة نهائية. ومن جهة ثالثة فان الحكومة الجديدة ستحاول العمل مع مجلس النواب لاصدار قانون انتخاب تجرى الانتخابات النيابية السنة المقبلة وفقاً لاحكامه علما ان لا شيء يضمن على الاقل حتى الآن احتمال نجاح الحكومة والمجلس في تحقيق القانون – الانجاز، ولا شيء يضمن اجراء الانتخابات النيابية في موعدها. فكل ذلك رهن بمواقف اهل الداخل الذين لم تخف صراعاتهم بل حروبهم ولم تُزل متاريسهم بل نقلوها معهم الى الحكومة. كما انه رهن بمواقف اهل الخارج المسترهن اهل الداخل الذين يخوضون الآن سباقاً صعباً بين التسويات والحروب والذين يحاول كل منهم ان تكون تنازلاته جزئية او ثانوية او حتى وهمية وان تكون مكاسبه جوهرية لا بل استراتيجية.
في اختصار يمكن القول بكل ثقة واستنادا الى معطيات جهات داخلية وخارجية واسعة الاطلاع ان الوضع اللبناني الحالي السياسي لن يستمر. فهو شهد تغييراً كبيراً في ربيع عام 2005 بعد خروج القوات السورية من لبنان ذلك انه اطلق موجة شعبية وسياسية استقلالية وسيادية حاشدة. الا ان هذا التغيير لم يصمد كثيراً لاسباب متنوعة ليس الآن اوان الخوض فيها. فهذه الموجة التي كانت في حال الهجوم معتمدة على الدعم الشعبي الداخلي وعلى الدعم العربي – الدولي والارتباك الذي اصاب سوريا وحلفاءها اللبنانيين صارت بعد مدة في حال من التوازن مع هؤلاء الحلفاء ورعاتهم الاقليميين، ثم تحوّلت لاحقاً الى حال من الدفاع بعدما نجح اخصامها في تجاوز الارتباك وحشد القوى وتوسيع التحالفات معتمدين في ذلك على قرار نهائي وحاسم سوري – ايراني باعادة الاعتبار الى دمشق وطهران وحلفائهما في لبنان وبتوفير كل الدعم اللازم لذلك ايا تكن الصعوبات والاخطار ومعتمدين في الوقت نفسه على عدم تحول اصحاب الحال الاستقلالية السيادية فريقاً موحداً وعلى عدم قدرة حلفائهم الخارجيين على توفير ما يحتاجون اليه من دعم او بالاحرى على تقديم دعم فعلي يعطل الدعم السوري – الايراني ومفعوله. وقد بلغ بؤس هذه الحال حداً جعلها تصل الآن الى ما هو دون الدفاع اي الى محاولة تلافي الخسارة او الحد من الخسارة.
هل يعني ذلك ان المرحلة المقبلة التي قد تكون قريبة ستعيد لبنان الى ما كان عليه قبل عام 2005؟
يعتقد عدد من اصحاب الحال السيادية الاستقلالية ان المرحلة المقبلة ستشهد ظروفاً تعزز هذه الحال وتلغي نهائياً احتمال عودة لبنان الى ما كان عليه قبل 2005 اي الى الوصاية السورية مباشرة او غير مباشرة. ويعزون اعتقادهم الى امور ثلاثة: الاول، الوضع اللبناني الداخلي الذي قد يذهب الى الحرب الاهلية التي لا يستطيع احد ان يحسمها والتي لا بد ان تؤذي ليس لبنان فحسب بل جيرانه وفي مقدمهم سوريا. والثاني، الوضع العربي الرافض ما يجري في لبنان من حلفاء سوريا وايران والرافض استراتيجيا هاتين الدولتين في لبنان والعامل على مساعدة اللبنانيين بأكثر من وسيلة للنجاح في الصمود تمهيداً لتحقيق الاهداف الوطنية. اما الثالث، فهو الوضع الاقليمي – الدولي المعقّد الذي لا يزال يضع المواجهة العسكرية بين ايران من جهة واميركا او اسرائيل او الاثنتين معاً من جهة اخرى في خانة الاحتمالات القوية.
الا ان المصادر الموضوعية للمعلومات من ديبلوماسية اقليمية ودولية لا يبدو انها تشاطر اصحاب الحال الاستقلالية السيادية هؤلاء تفاؤلهم المبالغ فيه. فهي تعرف ان سوريا لن تعود الى لبنان عسكرياً. وهي تعرف انها ستقيم علاقات ديبلوماسية معه وستقبل التفاهم معه على قضايا مختلف عليها مثل ترسيم الحدود واعادة النظر في "المعاهدة" والاتفاقات اللاحقة لها، لكنها تعرف في الوقت نفسه اموراً اخرى منها ان حظوظ المواجهة العسكرية الاميركية – الاسرائيلية مع ايران ضعيفة جداً او على الاقل تضعف في استمرار. اولاً، لان اسرائيل واميركا تفضلان تجنّبها رغم الكلام العلني المعاكس والكثير. وثانياً، لان الاجواء داخل ايران الاسلامية وتحديدا عند اهل الحل والربط فيها صارت اكثر ميلاً الى التسوية مع اميركا واوروبا وإن من موقع قوة يسمح لها مستقبلاً بالتحول شريكاً مهماً في المحافظة على أمن المنطقة وفي مكافحة الارهاب العالمي والمحافظة على استقرار العالم ومصالحه ومصالح القوى العظمى فيه.
ومن الامور التي تعرفها المصادر نفسها ايضاً ان الوضع السوري – الاوروبي الى تحسن رغم الاخراجات المتنوعة لهذا التحسن التي يعتمدها المعنيون في اوروبا وان ذلك سيقود الى تحسن في الوضع السوري – الاميركي هذا اذا لم يكن بدأ هذا التحسن، علما انه سيبدأ قطعاً بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية ايا يكن الفائز فيها لكن من دون استبعاد الاسراع فيه. ومن الامور ثالثاً، ان سوريا رغم كل خطواتها اللبنانية المذكورة اعلاه ستحافظ على شبكاتها الاستخباراتية في لبنان وستعززها وستحافظ على تحالفاتها اللبنانية وستبقي الساحة اللبنانية في مرحلة عدم الاستقرار السياسي القابل للتحول عدم استقرار امني عند الحاجة وستجعل كل الذين اذلّوها من اللبنانيين يندمون وستجعل اللبنانيين يعيشون الحال التي عاشوها عام 1976 عندما رحبوا بها "منقذا" بعدما تعذر عليهم احتمال استمرار الحروب والقتل المتنوع والتشريد والتهجير وربما محاولات الابادة.
طبعاً يرفض اخصام الحال الاستقلالية السيادية من اللبنانيين التعليق على معلومات المصادر المشار اليها اعلاه ربما كي لا يتهموا بالضلوع في محاولة ترجمتها محلياً على الارض. ولذلك لا يمكن ومن الآن تأكيد او نفي اي من المعلومات المتناقضة المنشورة اعلاه. لكن ما يمكن تأكيده هو ان خطورة الوضع في لبنان تزداد من دون ان يلغي ذلك فترة التقاط الانفاس التي امنها تأليف الحكومة والتي يتمنى اللبنانيون ان تطول قليلاً.