#adsense

انفراجات ومتغيرات.. ولكن الحذر واجب؟

حجم الخط

انفراجات ومتغيرات.. ولكن الحذر واجب؟

يتابع اللبنانيون بشيء من الحذر "مسلسل الانفراجات" المتلاحقة التي بدأت بإعلان تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية، واستمرت عبر النتائج المشجّعة للقاءات الرئيس ميشال سليمان في باريس، وتتابع في اليومين المقبلين في العرس الوطني لاستقبال الأسرى المحررين من ربقة الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن تزايد حركة القادمين، من مغتربين ومصطافين، التي تؤشّر إلى حركة سياحية واعدة.
واللبناني أصبح بطبيعته يميل إلى الحذر في التعامل مع المؤشرات الإيجابية، حتى لا تفاجئه التطورات المباغتة والصدمات الصاعقة وتعيده إلى دائرة الإحباط واليأس من جديد.

فما هي مبرّرات الحذر في التعاطي مع الانفراجات الأخيرة، التي باغتت اللبنانيين بعد معاناة مريرة مع أزمات السنوات العجاف؟

أولاً – في تشكيل الحكومة: لا شك في أن وجود حكومة ائتلافية فضفاضة يبقى أفضل بكثير من الفراغ الحكومي القاتل، خاصة في ظل الظروف الأمنية المتفلتة، والتي تلقي بظلالها الثقيلة على الوضع العام في البلد.

ولكن لا يمكن القول إن الحكومة الجديدة قادرة على مواكبة الانطلاقة المفترضة للعهد الجديد، نظراً لحجم التحديات المعقّدة التي تضعها أمامها تركيبتها المتناقضة، والتي شبّهها البطريرك صفير بالعربة التي يجرها حصانان من الأمام وإثنان من الخلف!

ولأن تركيبة الحكومة ليست منسجمة، ولا هي مثالية، وتعبّر عن واقع التناقضات المفصلية المهيمنة على الحركة السياسية، فإن حذر اللبنانيين في رصد أعمال الحكومة يبقى مبرراً، على ضوء التجربة المريرة التي عاشها البلد مع الحكومة الائتلافية السابقة، والتي أدى خروج وزراء الثنائي الشيعي منها إلى شلّ حركتها الدستورية والطعن في شرعيتها، خاصة بعد إقفال مجلس النواب في وجهها!

ولكن يمكن للحكومة الجديدة أن تتحول إلى فريق عمل منسجم ومنتج ومفيد للبلاد والعباد، في حال توافق الأطراف المحليون على ضرورة عزل الوضع الداخلي عن التدخلات والمؤثرات الخارجية، وأدركوا أهمية العمل معاً لتأمين فترة من الاستقرار، ولو لمرحلة انتقالية، يتم خلالها الإعداد الجيد للانتخابات النيابية المقبلة التي ستحدد نتائجها تركيبة السلطة الجديدة، شرط أن يلتزم الجميع بمتطلبات الاحتكام إلى صندوقة الاقتراع، بعيداً عن أية ضغوطات أخرى، وخاصة ضغوط استخدام السلاح في الداخل، أو العودة إلى أساليب التفجيرات والاغتيالات التي استهدفت المناطق الآمنة، واصطادت قيادات واعدة في قوى 14 آذار.

أما إذا كان هدف بعض أطراف المعارضة المشاركة في الحكومة من أجل نقل متاريس الخلافات السياسية والحزبية والطائفية إلى طاولة مجلس الوزراء، فهذا يعني أن العهد ورئيسه هما المستهدفان أولاً، وأن البلد ما زال رهينة الصراعات الإقليمية والدولية التي حوّلته إلى ساحة لتصفية حساباتها! وبالتالي فإن حالة عدم الاستقرار، وما يرافقها من اضطرابات أمنية متنقلة بين مختلف المناطق اللبنانية، ستبقى هي السائدة داخلياً ريثما تحطّ الصراعات الخارجية أوزارها، ويُصار إلى فتح صفحة جديدة في المنطقة على ضوء نتائج المفاوضات السورية – الإسرائيلية.

* * *
ثانياً – اللقاءات اللبنانية في باريس: الواقع أن الحفاوة الفرنسية التي أُحيط بها الرئيس ميشال سليمان تؤكد مدى اهتمام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بدعم العهد الجديد وتعزيز مسيرة لبنان نحو الوفاق والاستقرار.

ولكن الأهمية البالغة لزيارة العماد سليمان إلى العاصمة الفرنسية تكمن في الفرصة المهمة التي أتاحتها لعقد أكثر من لقاء بين الرئيسين سليمان والأسد، مهدت لها القمة الرباعية في الاليزيه بمشاركة أمير قطر، والتي أسفرت عن إعلان لتبادل التمثيل الدبلوماسي وفتح سفارتين بين لبنان وسوريا.

ورغم أهمية تحقيق هذا المطلب اللبناني التاريخي، والذي يُعبّر، حسب المفهوم اللبناني الشائع، عن اعتراف سوري عملي باستقلال وسيادة الشقيق الأصغر، فإن الاكتفاء بهذا القدر من التفاعل اللبناني – السوري لا يُعيد العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مجاريها الطبيعية، ولا يُعالج هذا الكم من المشاكل المتراكمة على طريق بيروت – دمشق.

ثمة مئات من الدول التي تتبادل التمثيل الدبلوماسي في ما بينها، ولكن علاقاتها لا تكون دائماً على ما يرام، وواقع العلاقات العربية حالياً يشهد على ذلك، فضلاً عن أن الأزمات المستفحلة بين الدول الافريقية تؤكد هذا الواقع.

واللبنانيون بحكم الخبرة الطويلة، والمعاناة المريرة، يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن معالجة هذه الكبوة في علاقات البلدين الجارين تتطلب وضع أسس لعلاقات تراعي استقلال وسيادة وخصوصية كل طرف، وتعهداً جدياً وحاسماً بعدم التدخل بشؤون الطرف الآخر الداخلية، وعدم تشجيع الأطراف والعناصر المناوئة للشرعية على تحقيق أهدافها عبر أراضي البلد الآخر، أو بدعم من سلطة وأجهزة الآخر.

واعتماد مثل هذه الأسس الضرورية لإعادة بناء العلاقات اللبنانية – السورية من شأنه أن يفتح المجال واسعاً لوضع آليات عملية لتعزيز التعاون بين البلدين الشقيقين في شتى الحقول الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية، بما يراعي مصالح الشعبين، ويعزّز جهود استعادة التضامن العربي.

وبالمقابل، لقد اختبر السوريون أهمية العودة إلى سياسة الانفتاح والتعاون مع لبنان، من خلال الخطوات المتسارعة التي مشتها باريس لفكّ طوق العزلة عن دمشق، بعد ثبوت التعاون السوري في تسهيل عملية انتخاب الرئيس التوافقي وتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة.

وبخلاف ما يردّده البعض من أن المفاوضات السورية مع إسرائيل هي التي فتحت أبواب الاليزيه أمام الرئيس بشار الأسد، فالحقيقة أن البوابة اللبنانية هي التي كسرت العزلة عن سوريا، بالمقدار الذي كانت تداعيات الأزمة اللبنانية وامتداداتها السورية، هي السبب المباشر لفرض تلك العزلة عربياً ودولياً، والتوافق اللبناني – السوري على فتح السفارتين والذي أعلن في الاليزيه ساعد كثيراً على تحديد موعد زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق في أواسط أيلول المقبل، وكأن باريس ربطت عملية التطبيع مع دمشق بخطوات التعاون السوري في تطبيع الوضع السياسي اللبناني، وإخراج الوطن المعذب، على حد قول ساركوزي، من أزمته المتمادية.

وليست مجرّد صدفة أن يتعمد الرئيس الفرنسي الاتصال بالنائب سعد الحريري لشكره والإشادة بدوره الوطني الكبير في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عشية سفر الرئيس سليمان إلى باريس، وقبل وصول الرئيس السوري إلى الاليزيه.

ولم يعد سراً أن الجهود الحثيثة التي بذلها زعيم "المستقبل" فور عودته من الخارج أخرجت التشكيلة الحكومية من عنق الزجاجة، وذلّلت كل العقد التي كانت تُؤخّر ولادتها، بما فيها عقدة توزير الرئيس السابق للحزب القومي علي قانصو.

لقد أثبت سعد الحريري مرة أخرى مدى حرص النهج الذي أرسى قواعده الرئيس الشهيد رفيق الحريري على المصلحة الوطنية العليا، بكل ما يعني ذلك من تفضيل لأولويات الوطن على أي اعتبار آخر، بما في ذلك الحسابات السياسية والانتخابية، والمصالح الفئوية والأنانية· لم يكن سهلاً على رئيس أكبر كتلة نيابية أن يُخفّض حجم تمثيل كتلته، ويضحّي بتوزير عدد من نوابه ومقرّبين إليه، لمصلحة حلفائه في قوى 14 آذار، ولكنه اتخذ القرار الصعب بكل شجاعة تماماً كما فعل في مناسبات أخرى، آخرها أحداث أيار الأسود في بيروت، مؤكداً بذلك التمسك بالمسؤولية الوطنية على كل ما عداها من إغراءات السلطة والحكم.

* * *
ثالثاً – العرس الوطني للأسرى المحررين: لعلها من الصدف المباركة أن تتم عملية إطلاق الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين من سجون العدو الإسرائيلي في أيام الذكرى الثانية لحرب تموز 2006.

ولكن حتى يطمئن اللبنانيون إلى بركة "المناسبة والذكرى" لا بد من العودة إلى أجواء الوحدة الوطنية الحقيقية.

التي وحّدت اللبنانيين في التصدي لوحشية عدوان تموز، ومنعت العدو من تحقيق أهداف حربه المدمرة على لبنان بشراً وحجراً· وأولى خطوات العودة إلى تلك الأجواء الباهرة تقضي ببلسمة جراح مرحلة التصدع والتناحر، والتي بلغت ذروتها في اجتياح بيروت بعدما ارتدّ سلاح المقاومة إلى الداخل، والانطلاق نحو مصالحة حقيقية بين قوى 14 و8 آذار، خاصة بين تيار المستقبل وحزب الله، ليس على مستوى القيادات وحسب، بل وصولاً الى الكوادر الحزبية، ومنها إلى القواعد الشعبية، والسعي الجدي لإعادة اللحمة بين العائلات والجيران وأبناء الحي الواحد الذين اعتادوا العيش معاً، وتحمّل الضراء معاً.

إن تحويل عودة الأسرى إلى عرس وطني للمصالحة والمسامحة، يقتضي العودة إلى قواعد العيش اللبناني وتوازناته الدقيقة، والتحلي بكثير من التواضع والواقعية السياسية الوطنية، التي تراعي وجود وحقوق كل أطراف النسيج اللبناني، بعيداً عن اعتبارات التعداد البشري والاستعداد العسكري.

* * *
مسلسل الانفراجات مستمر، ولكن اللبنانيين على حذرهم، حتى يمسكوا بأيديهم نتائج المتغيرات الاستراتيجية الجديدة في المنطقة·· مع الدعاء الدائم بألا تكون على حساب الوطن الصغير!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل