إقامة تبادل ديبلوماسي مع سوريا مطلب لبناني "مزمن"..
أما كلام الأسد فمشوب بـ"ألغام" كبرى
كي لا تكون السفارات مجرّد "صيغة" أخرى لعلاقة بنفس "المضمون"
لا شك انّ الإعلان عن علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا، يمثّل حدثاً "تاريخياً" كما قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أول من أمس. وهو حدث "تاريخي" بمقياس انّ التبادل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق مطلب لبناني "مزمن"، تمسّك به اللبنانيون طيلة العقود الطويلة السابقة، وصعّدوا تمسّكهم به في السنوات الثلاث الماضية بعد إنهاء الوصاية السورية، بوصفه أحد التعبيرات البارزة عن إعتراف النظام في سوريا بلبنان بلداً سيداً ومستقلاً وحراً.
إعتبر ساركوزي موافقة رئيس النظام السوري بشار الأسد على تبادل السفارات مع لبنان حدثاً تاريخياً، على قاعدة انّ العلاقات الديبلوماسية بين دولتين ـ أيّ دولتين ـ تعني إعترافاً من كلّ واحدة منهما باستقلال الثانية واحتراماً له.
الأسد "لا يلفظ" إستقلال لبنان
بيد انّ "اللافت" في تناول الأسد لهذا الموضوع، يتعلق بعدد من الجوانب.
عندما تحدّث الأسد، في المؤتمر الصحافي في ختام القمّة الرباعية، لم يقرن الإعلان عن العلاقات الديبلوماسية بإعلان احترام إستقلال لبنان وسيادته ودولته. لم يلفظ إستقلال لبنان.
وعندما تحدّث عن العلاقات الديبلوماسية، قال إنّه كان المبادر إلى طرح إقامتها في العام 2005، تزامناً مع الخروج السوري من لبنان آنذاك.
وعندما سُئل عن "الصفحة الجديدة" مع لبنان، تحدّث عن "أخطاء لبنانية" حيال سوريا، غير معترف بأخطاء النظام السوري وخطاياه في لبنان.
.. ولا يبني التبادل الديبلوماسي على تعريف مختلف للعلاقة
إذاً، إنّ تعبير الأسد عن موافقته على إقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، يأتي "مشوباً" بـ"بألغام" كبيرة. ليست الرغبة في التبادل الديبلوماسي مبنيّةً على "مراجعة" لتجربة العلاقة السابقة لأنّه يتحدّث عن "أخطاء" من جانب واحد لا تُقاس ـ حتّى لو وجدت ـ بالوصاية والإستتباع المؤسسَين على موقف من لبنان كياناً ودولةً وما نجم عنهما من نتائج إلغائية لسيادة البلد ونظامه السياسي الديموقراطي.
وليست النيّة في التبادل الديبلوماسي مبنيّةً على إعادة نظر في تعريف النظام السوري للعلاقة بلبنان. ومن المعروف انّ النظام في سوريا إعتمد تعريفات شتّى للعلاقة بلبنان وصولاً إلى تحديدها على انّها "علاقةٌ بين شعب واحد في دولتين". وقد ترجم ما سمّي "العلاقات المميّزة" على انّها علاقةٌ بين وصيّ وموصىً عليه من ناحية وعلى انّها العلاقة الحصرية للبنان بالعالم العربي من ناحية ثانية وعلى انّ سوريا هي مركز لبنان السياسي من ناحية ثالثة وعلى انّ بين البلدين علاقة تبعيّة من "الشقيق الأصغر" لـ"الشقيق الأكبر" لا علاقة تكامل في إطار "الأسرة" العربية من ناحية رابعة.
2005 عندما نُقل "الملفّ" من الأمن إلى الخارجية!
أمّا "تذكيرُ" الأسد بأنّه كان مبادراً في العام 2005 إلى الدعوة إلى إقامة علاقات ديبلوماسية فيقتضي تذكيراً آخر في المقابل. ففي مطلع العام 2005، قبل جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفي محاولةٍ من النظام السوري للإلتفاف آنذاك على القرار 1559 ـ الذي عاد ونفّذ إنسحابه من لبنان على أساسه ـ وعلى تنامي الإحتجاج اللبناني على دور النظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك وعلى التمديد القسري لإميل لحود، أعلن الأسد "نقل" العلاقة مع لبنان من "الأمن" إلى الخارجية وانّ لبنان أضحى "ملفاً" في وزارة الخارجية السورية.
وتأسيساً على ما تقدّم من ملاحظات على كيفية إعلان الأسد من باريس الموافقة على إقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان وعلى "مضمون" هذا الإعلان، ليس ما يمنع أن تكون العلاقات الديبلوماسية هذه في إطار مجرّد عملية إنتقال في "صيغة" العلاقة لا في "مضمونها".
سليمان والحدود..حدود للسيادة
في جانب آخر من الموضوع، لا بدّ من التشديد على نقطة "جوهرية".
إذ تقوم العلاقات الديبلوماسية بين دولتين على إحترام متبادل لإستقلال كلّ منهما، فإنّها لا تتأسّس على مشاكل أو نزاعات حدودية قائمة سلفاً. ذلك انّ التعريف القانوني للحدود بين بلدين هو انّها "حدود سيادة"، أي انّ الحدود هي التعبير الأهم عن السيادة.
وفي هذا الإطار، كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان محقاً تماماً في مطالبته ـ الاستطرادية كما قال ـ بترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية "استكمالاً" للعلاقات الديبلوماسية. وهو بتركيزه على حقّ لبنان في مزارع شبعا وإستعادتها الى السيادة اللبنانية، لم يكن يُخفي أن الأولوية هي لترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية في منطقة المزارع.
الأسد و"المسيو بيكو"
إنطلاقاً مما تقدّم.. وإلى أن تنشأ السفارتان، اللبنانية في دمشق والسورية في بيروت، لا بد من لفت النظر الى بعض الخلاصات.
مما لا شك فيه أولاً أن من حقّ اللبنانيين أن يضعوا الإعلان عن علاقات ديبلوماسية في خانتهم. ذلك أن الإعلان عنها من فرنسا يكتسب أهميّتين "رمزية" و"إيديولوجية". الأهمية "الرمزية" تتأتى من أن فرنسا كانت الدولة المنتدَبة على لبنان وسوريا ورعت باتفاق سايكس ـ بيكو قيام دولتَي لبنان وسوريا "الحديثتَين"، وفيها يتم ـ اليوم ـ إعتراف النظام السوري "الضمني" بـ"تقسيم سايكس ـ بيكو". أما الأهمية "الإيديولوجية" فتتأتى من أن "البعث" الحاكم في سوريا الذي إعتنق تاريخياً إيديولوجيا محاربة اتفاق سايكس ـ بيكو "يخضع" اليوم ولو اضطراراً الى إحدى أبرز نتائجه التاريخية، وهي أن للكيان اللبناني شرعية تاريخية "توازي" شرعية الكيان السوري.
الضمانات: "نظام المصلحة العربية"
غير أن الضمانات المتوجّبة ثانياً للعلاقات اللبنانية ـ السورية هي الآتية: أن تكون علاقات "طبيعية" بين شعبَين ودولَتين مستقلّتين من جهة، أي أن تكون العلاقات الديبلوماسية عنواناً لـ"تصحيح" العلاقات السابقة من جهة ثانية، وأن يُعاد النظر ـ في امتدادها ـ بما كان قائماً سواء تعلّق الأمر بـ"المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري" الذي يفقد مبرّر وجوده فضلاً عن أنه كان إطاراً من أطر الهيمنة السورية على لبنان وأداة سورية أو تعلّق الأمر بالاتفاقات التي بُنيت على توازن القوى من جهة ثالثة. غير أن الضمانة الرئيسية من جهة رابعة هي أن تندرج العلاقات اللبنانية ـ السورية في إطار "نظام المصلحة العربية" الذي أرسته قمة الرياض في المملكة العربية السعودية في العام 2007.
لا بد من إلتزام سوريا بعدم التدخّل في الشؤون اللبنانية.. ووجود سفارة لا يلغي عدم التدخّل. ولا بد من إلتزام سوريا ولبنان معاً بـ"مركزية" الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الأمر الذي يعني الوقوف "خلف" الشعب الفلسطيني وشرعيته الوطنية، وعدم الانفراد بالحرب أو السلم، وعدم إستخدام بلد لبلد آخر ساحةً للمواجهة أو التسوية مع إسرائيل. ولا بد من إلتزام سوريا باستراتيجية السلام العربية. وباختصار لا بد من إلتزام سوريا بالعلاقات العربية ـ العربية وعدم الدخول في أي محاور على حساب تلك العلاقات.
يمكن القول إن الإعلان من باريس عن إقامة علاقات ديبلوماسية بين سوريا ولبنان أمر مرحّب به لبنانياً. لكن هذا الإعلان ليس سوى بداية على الطريق.
paste