طموحات اوروبية كبيرة
اذا صدقت الحسابات الاوروبية (واولاً فيها الفرنسية) وفي حال سارت الامور في الملفات الاربعة المطروحة للتفاوض تمهيداً للوصول بها الى شاطئ السلام، وبعضها تسبب ويتسبب منذ اكثر من نصف قرن في حروب بالغة المخاطر على السلام العالمي، فإن شرقاً اوسطياً جديداً سنشهد ولادته خلال السنوات القليلة المقبلة وهو قد يختلف (او لا يختلف) عن الشرق الاوسط العتيد الذي بشرتنا به قبل اكثر من سنتين وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس دون ان تتطرق الى تفاصيله التي ظلت موضوع تجاذب على المستوى الاقليمي! حيث ان بعض الافرقاء استخدموا هذا الملف في ادعاء انتصارات وهمية لم تتحقق! وبعضهم الاخر في اطلاق تحذيرات من المشروع الغامض لم تأتي في موقعها الصحيح ! فيما عدد قليل من المراقبين المحايدين والعمليين ردد وما يزال ان المشروع الاميركي يستمر قيد التداول والتحضير، وان الحساسية التي تثيرها الولايات المتحدة الاميركية قد تدفع بها الى تلزيم العملية بأكملها الى افرقاء آخرين يمكن لهم التحرك الحرً والمريح تحت عناوين اوروبية من جهة، واقليمية لا تثير الحساسيات الكبيرة من جهة ثانية.
وانطلاقاً من هذه الحقائق الموضوعية فإن الملفات الاربعة التي كانت موضوع تداول امس الاحد في العاصمة الفرنسية والتي تحدث الافرقاء المعنييون فيها مباشرة ولو مع بعض التحفظ تأتي كالتالي:
1 ـ السلام بين اسرائيل والفلسطينيين: كان لافتاً في هذا المجال ما اعلنه آيهود اولمرت رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي قال ان اتفاق سلام مع الفلسطينيين بات ممكناً اقرب من اي وقت مضى! ومؤشرات كلام اولمرت يمكن للمرء ان يلمسها في الهدنة بين حماس واسرائيل اولاً، وهذه الهدنة لم يكن الوصول اليها ممكناً لولا الضغوطات الاميركية – الاوروبية على اسرائيل من جهة، والسورية – العربية على فصائل الممانعة الفلسطينية من جهة ثانية، وفي هذا الملف لا تحتاج الجهود الدولية الى الكثير كي تضع اللمسات الاخيرة التي تؤدي الى تحويل الهدنة الهشة الى اخرى ثابتة تتيح التقدم باتجاه عملية السلام ولو بخطى بطيئة ومدروسة في آن!
2 ـ السلام بين اسرائيل وسوريا: يبدو هنا ان الكثير من التقدم قد تحقق ودلائله اعلان الرئيس السوري انه يمكن التوصل الى اتفاق سلام خلال مدة تتراوح بين 6 اشهر وسنتين! واعلانه ايضاً انه يمكن اقامة علاقات عادية بعد السلام مباشرة! ويبقى في هذا الامر ما نقلته وكالة الانباء الفرنسية عن مفاوضات غير مباشرة في باريس بين الاسد واولمرت عبر الرئيس التركي اردوغان.
3 ـ انهاء الملفات العالقة بين اسرائيل ولبنان: وفي هذا الامر يأتي تعيين الاربعاء (بعد غد) موعداً لتبادل الاسرى والجثث امراً بالغ الدلالة خصوصاً مع اعلان الرئيس اللبناني بعد لقائه بان كي – مون ان مسيرة استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا قد بدأت، وحين اتمام هذين الامرين لا يعود هناك ما يعيق العودة الى اتفاق الهدنة بين البلدين بما يتيح لاحقاً الوصول الى سلام بينهما ولو جاء ترتيبه في آخر المسار العربي – الاسرائيلي لآسباب لبنانية داخلية، ويسجل في هذا المجال اعلان امين عام الامم المتحدة انه طلب مساعدة الاسد في شأن مزارع شبعا وانه سيبحث الامر مع اولمرت لاحقاً!
4 ـ في العلاقات السورية – اللبنانية: لا شك ان اول التقدم هنا هو التطبيع الذي ستباشره سوريا بدعوة الرئيس سليمان لزيارتها على ان يعقب الامر تبادل دبلوماسي وترسيم الحدود وطيّ ملف السجناء والمفقودين، وهذه كلها تعيد العلاقات بين البلدين الى نقطة البداية الايجابية وتؤسس لعلاقات ندية تشبه مثيلاتها بين كل الدول المتجاورة.
ويبقى في كل هذه القراءة امرين ، الموقف الايراني المتخوف من ان يكون كل هذا السيناريو على حساب طهران وتغطية لضربة عسكرية تتعرض لها منشآتها النووية واعادة تحجيم الاحلام الفارسية داخل الحدود! ومن هذه النقطة يصير ترقب زيارة منوشهر متكي لسوريا نهاية الاسبوع الحالي لمعرفة مدى التأثير على نظام دمشق في مساعيه لفك العزلة العربية الدولية ، وتالياً ردة فعل حزب الله في حال فشل ايران في ثني سوريا عن المتابعة في عملية التطبيع الشاملة على مستوى المنطقة الشرق الاوسطية ككل؟!.