#adsense

تجاوب لبناني مع مطلب تاريخي لتكريس السيادة والاستقلال

حجم الخط

ساركوزي أمام محك التزام الأسد فعلياً بإقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان
تجاوب لبناني مع مطلب تاريخي لتكريس السيادة والاستقلال

حاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إرضاء اللبنانيين وإغراءهم بموافقة النظام السوري على اقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان، لتبرير خطوة زيارة الرئيس بشار الأسد الى باريس، وفتح البوابة الفرنسية أمامه، كمقدمة لدخول القارة الأوروبية فيما بعد وفك العزلة الدولية المفروضة على بلاده منذ ثلاث سنوات على خلفية الاتهامات الموجهة للنظام السوري الذي كان يمسك بزمام الأمن في لبنان، بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الجرائم الارهابية التي استهدفت قادة سياسيين ورجال إعلام وفكر، ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وتهديد الأمن والاستقرار في لبنان.

لا ينكر أحد في لبنان أن قيام علاقات لبنانية – سورية على المستوى الدبلوماسي، كان مطلباً سياسياً وشعبياً لبنانياً تاريخياً على الدوام، لم تستجب القيادات السورية المسؤولة للخوض فيه أو مناقشته حتى الأمس القريب، وكان مجرد طرحه أو التطرّق إليه تلميحاً، يعتبر من المحرمات، التي توجب نَعت صاحبها بالخيانة والعمالة وتحليل قتله غيلة كما حصل لكل من تجرّأ على الخوض في هذه المسألة من قريب أو بعيد.

كانت المطالبة بأي شكل من أشكال تنظيم العلاقة اللبنانية – السورية، خارج المفهوم السوري التقليدي الذي يعتبر لبنان جزءاً لا يتجزأ من سوريا، تحرك دوافع الخصومة والاستعداء وتكشف عن النوازع السورية الدفينة في الهيمنة على لبنان، وتجنب الخوض في أي معادلة، تكرّس سيادته واستقلاله واعتباره بلداً مستقلاً يتمتع بالسيادة الكاملة، ويمارس سلطاته بمعزل عن التدخلات والهيمنة التقليدية التي تكرّست وتوسّعت بأساليب مكبلة خلال العقود الثلاثة الماضية، إبان سيطرة القوات السورية على لبنان.

لذلك، لا يمكن التعاطي مع الإعلان الفرنسي عن التجاوب السوري بإقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان بسلبية أو عدم اكتراث، وإنما يجب تلقف هذه الموافقة والتجاوب معها الى أبعد الحدود، لأنها تستجيب الى مطالب اللبنانيين الملحة والتحرك باندفاع، لمعرفة مدى التزام النظام السوري بتنفيذ التعهدات التي قطعها الرئيس الأسد للرئيس الفرنسي، وعما إذا كان التنفيذ يستند الى الأصول والقوانين المعمول بها بين سائر الدول في العالم، وليس حسب المفهوم السوري التقليدي، لئلا يبقى هذا الإعلان شعاراً فارغاً من أي مضمون، وينضم الى سائر الشعارات الجوفاء التي تتغنى بالعلاقات "الأخوية" و"المميزة" بعيداً عن أي سند قانوني واقعي مُلزم.

ولا بد من إتاحة الفرصة الكاملة وإعطاء الوقت الكافي لكي يأخذ وعد الرئيس الفرنسي بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا مداه الكامل، وتوفير كل مقومات التنفيذ المطلوبة له من الجانب اللبناني تحديداً، ليتبين مدى التزام النظام السوري بتنفيذ التعهدات التي قطعها الرئيس الأسد لمضيفه الفرنسي بهذا الخصوص· فالشكوك التي تساور اللبنانيين من امكانية عدم تنفيذ مضمون الإعلان الفرنسي الذي وُصف بالتاريخي، قد تكون مبررة، استناداً الى التجارب غير المشجعة مع النظام السوري في مسائل وقضايا مشابهة، وكانت تصيب اللبنانيين بخيبات متتالية على الدوام، بعدما أصبح انعدام الثقة هو المقياس الذي يحكم العلاقة بين البلدين طوال الأعوام الماضية، لا سيما بعد ادعاء الرئيس الأسد انه كان مستعداً لبحث موضوع اقامة العلاقات الدبلوماسية مع لبنان اثناء دعوته لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة لزيارة دمشق في اعقاب القمة العربية التي عُقدت في الخرطوم في ربيع العام 2006، ولكن لم يحصل ذلك، بسبب عدم تلبية الرئيس السنيورة للزيارة.

ولكن يبدو ان الرئيس الأسد تجاهل تجاهلاً كلياً مقررات مؤتمر الحوار الوطني الذي التأم في ربيع 2005، أي قبل حوالى العام من الواقعة التي ذكرها، وكانت في اولويات مؤتمر الحوار الوطني، التي شملت ضرورة قيام علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا، وفصل العلاقات الثنائية بين البلدين عن موضوع المحكمة الدولية وإجراءات انشائها، وترسيم الحدود ونزع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات الفلسطينية، ويومئذ انقض النظام السوري بخطاب علني مباشر من الرئيس السوري لإجهاض وتعطيل كل مقررات المؤتمر.

والسؤال الذي يتطلب الإجابة في خلاصة فتح ابواب العاصمة الفرنسية امام الرئيس السوري، هل ينفّذ الرئيس الأسد التعهدات التي قطعها أمام الرئيس الفرنسي وخصوصاً في الشق اللبناني الذي يتطلب أكثر من اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين ويتعداه الى التعاطي مع لبنان كدولة ذات سيادة بكل معنى الكلمة، أم ان الرئيس السوري قد حصل على مزايا فك العزلة الدولية المفروضة على بلاده مقابل هذا الوعد فقط، أم أن المزايا تتناول تحييد سوريا عن حليفتها إيران أيضاً؟.

الأيام المقبلة ستجيب عما إذا كان الرئيس السوري سيلتزم تعهداته بالفعل، وألا يكون الرئيس الفرنسي ذاق طعم تجربة سلفه جاك شيراك من قبل.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل