لأن نتائج الانتخابات المقبلة تجيب عن السؤال المهم: أي لبنان نريد؟
هل تنجح محاولات جمع المسيحيين حول خط سياسي واحد؟
لم تنجح حتى الآن محاولات توحيد الصف المسيحي ولا حتى توحيد الاهداف والمبادئ بحيث يكون الخط السياسي واحدا ويصير اتفاق على اي لبنان يريده المسيحيون كي يلتقوا مع الشريك المسلم على ذلك في اطار وحدة وطنية راسخة وعيش مشترك دائم وثابت.
ثمة من يرى ان التعددية داخل الصف المسيحي هي مصدر غنى وتعزيز للديموقراطية التي يؤمن بها المسيحيون خصوصا ويبشرون بها، شرط ان تقوم هذه التعددية على اختلاف في المبادئ وفي النهج السياسي ويبقى للشعب في الانتخابات النيابية ان يختار بين خط سياسي وآخر بالوسائل الديموقراطية السلمية الحرة، وليس بالبندقية كما حصل في الماضي بحجة توحيدها، فكانت حروب الالغاء بين المسيحيين لصراع على السلطة او توحيدا للبندقية، وهي حروب اضعفتهم وشرذمتهم وهمشت دورهم في مؤسسات الدولة.
الواقع، ان نموذج التعددية الذي اعتمده المسيحيون، وكان نموذجا ديموقراطيا ناجحا، هو انقسامهم بين حزبين لبنانيين: حزب "الكتلة الوطنية" الذي كان يؤمن بالامة اللبنانية، وبالانفتاح على جميع الدول العربية والغربية من دون الدخول في "الجامعة العربية" لئلا يصبح طرفا في الخلافات والنزاعات العربية فتنعكس على الداخل اللبناني، بل البقاء خارج الجامعة محافظة على حياده وليظل على مسافة واحدة من الجميع. وان يصان الاستقلال الطري العود بمعاهدة تعقد مع فرنسا لان لبنان يقع جغرافيا بين سوريا الدولة الجارة التي لا تعترف باستقلال لبنان منذ ان حصل عليه عام 1943 الى اليوم، وان اعلنت ذلك بالكلام، اذ لا يزال العقل المهيمن في اي نظام سوري يعتبر ان الازمة مع لبنان هي في اتفاقية "سايكس بيكو" وفي ضم الاقضية الاربعة عند اعلان لبنان الكبير والتي كانت تابعة لسوريا، وما زالت تتعامل معه وكأنه جزء منها او ملحق بها لاسيما في مجال الامن والدفاع وفي مجال السياسة الخارجية.
ويقع لبنان جغرافيا من جهة اخرى على حدود الدولة الاسرائيلية المجاورة والطامعة في مياهه ان لم يكن بارضه، ولا يلائمها ان يكون في الدولة اللبنانية خليط من المذاهب والاثنيات تتعايش وتكون نقيض الدولة اليهودية، في حين كان حزب "الكتلة الدستورية" يؤمن بلبنان السيد الحر المستقل استقلالا تاما ناجزا غير مرتبط باي معاهدة مع اي خارج وان على اللبنانيين وحدهم ان يحافظوا على استقلالهم بعد ان حصلوا عليه. وان لبنان هو جزء من العالم العربي وينبغي ان يكون عضوا مؤسسا في الجامعة العربية وله دوره فيها. وقد فازت "الكتلة الدستورية" مع "الكتلة الوطنية" في الانتخابات النيابية بدعم بريطاني وكان لها الحكم، على اسس جعلت من الصعب على العهود المتعاقبة تغييرها او اعادة النظر فيها بعدما اصبح لبنان منذ العام 1943 مرتبطا ارتباطا عضويا بمحيطه يؤثر فيه ويتأثر به، ولا مجال للتمايز عنه واعتماد سياسة الحياد سواء كان سلبيا او ايجابيا، خصوصا بعد ان انتقل من لبنان ذي وجه عربي، الى لبنان عربي الهوية والانتماء باعتباره عضوا مؤسسا وعاملا في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها. وكما نص بصراحة ووضوح اتفاق الطائف الذي اصبح دستورا للبنان.
وهكذا تحول لبنان مسرحا خلفيا لكل ما يدور على مسرح الشرق الاوسط من ايران الى افغانستان الى العراق الى اسرائيل وفلسطين وسوريا، والى مصر والسعودية وغيرها، وهو مسرح تعد على خشبته وعلى حساب شعبه "السيناريوات" المختلفة. فبات ما يحدث في لبنان وما يدور على مسرحه، ليس لفهم الوضع فيه، ولكن لفهم صورة الوضع الاقليمي والدولي في المنطقة.
وها ان المسيحيين خصوصا واللبنانيين عموما يواجهون اليوم ما واجهوه بالامس بين الخط السياسي لـلكتلة الوطنية والخط السياسي للكتلة الدستورية، وكان على الشعب اللبناني ان يختار بين هذين الخطين في انتخابات لم تكن بمعظمها حرة ونزيهة لاسيما انتخابات 25 ايار 47 الشهيرة وما حصل فيها من تزوير فاضح بهدف تجديد ولاية الرئيس الشيخ بشارة الخوري. والانتخابات النيابية في ربيع سنة 2009 سوف تجرى بين خطين سياسيين ايضا: خط قوى 14 آذار ومن معها وهو خط السيادة والاستقلال ورفض كل وصاية على لبنان، وممارسة النظام الديموقراطي والحفاظ على الحريات، وخط قوى 8 آذار ومن معها وله مفهوم آخر للسيادة الوطنية والاستقلال، والمتحالف مع المحور الايراني – السوري بحيث يشكل فوز مرشحي هذه القوى في الانتخابات المقبلة فوزا لهذا المحور فيكون له الهيمنة السياسية والامنية والاقتصادية غير المباشرة على لبنان من خلال حلفائه المنضوين في قوى 8 آذار والمتحالفين معها.
لذلك، يمكن القول ان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة لها اهميتها لانها تجيب، لاول مرة، على سؤال مهم: "اي لبنان يريد اللبنانيون؟"، هل يريدونه سيدا حرا مستقلا لا وصاية لاحد عليه سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، وتمارس فيه الحريات المطلقة ويخضع لنظام ديموقراطي صحيح، ويقف مع العرب وهم متفقون، وعلى الحياد التام وهم مختلفون، ام يريدونه خاضعا لوصاية غير مباشرة تغير وجه لبنان الديموقراطي السيد الحر وتدخله تحت اي شكل من اشكال النظام الشمولي المناقض للديموقراطية والقامع للحريات.
ونظرا الى اهمية نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، كونها مفصلية وتقرر مصير لبنان سياسيا وامنيا واقتصاديا ونظاما، فانه ينبغي ان تكون حرة ونزيهة بكل معنى الكلمة، وهذا لا يتحقق بمجرد العودة الى قانون الـ60، وهي في الواقع عودة الى الوراء، بل بالاتفاق على اتخاذ الاجراءات الادارية والامنية التي تضمن الحرية والنزاهة والشفافية لها، واولى هذه الاجراءات ان لا يكون سلاح خارج الشرعية، ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها. واذا كان من مسعى جاد وحقيقي وصادق سواء من مراجع دينية او سياسية، من اجل توحيد الصف المسيحي، فان هذا التوحيد ينبغي ان يقوم على اساس "اي لبنان نريد؟" فاما يكون اتفاق بين الزعماء المسيحيين على الخط السياسي الذي يجمعهم ويقوم عندئذ تحالف انتخابي على اساسه مع الزعماء المسلمين الذين يؤمنون بهذا الخط، واما ان لا يتوصلوا الى اتفاق فتكون المواجهة السياسية بين خطين، في ظل منافسة ديموقراطية حرة يقول الشعب فيها كلمته، بارادة مستقلة بعيدة عن شتى وسائل الضغط والترهيب، والغش والتلاعب، فيتحمل عندئذ نتائج اختياره بين الخطين السياسيين، كما تحمل اختياره بين خط "الكتلة الوطنية" وخط "الكتلة الدستورية" ولكن من خلال انتخابات حرة غير مزورة كما حصل في الماضي فظل لبنان يعاني من تحوله ساحة صراع مفتوحة، جعلته لا ينعم بالاستقرار الدائم والثابت، بل بتعرض كل 10 و15 سنة للقلاقل والاضطرابات.