#adsense

سليمان مع الأسد: استخفاف بمشاعر شعبه أم تفوّق في ملف معقد؟

حجم الخط

لم يتنازل عن المطالبة بالحقوق الثابتة للبنان وتجاوز الحظر السوري على شخصيات "مُعادية"
سليمان مع الأسد: استخفاف بمشاعر شعبه أم تفوّق في ملف معقد؟

من حق جمهور كبير من اللبنانيين أن يستاء من المشهد الباريسي، حيث أمضى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قسطاً وافراً من وقته مع الرئيس السوري بشار الأسد.
للاستياء أسباب كثيرة. فالجرح اللبناني من سلوكيات النظام السوري لا يزال نازفاً. المسألة لا تتصل فقط بملفات الاغتيال بل هي تنطلق على سبيل المثال لا الحصر من الآتي:

أولا، نظرة الأسد العدائية الى قسم كبير من اللبنانيين، وهو القائل إن الشعب السوري لا يحب فريق الرابع عشر من آذار، وهو المدافع عن الاعتقالات السياسية في بلاده بالإشارة الى أن بعض الموقوفين أجرى اتصالات بالأكثرية المعادية لسوريا في لبنان.

ثانياً، وقوف النظام السوري وراء الكثير من الاضطرابات الحاصلة في لبنان.

ثالثاً، مثابرة المسؤولين السوريين على السخرية من دعوة اللبنانيين الى علاقات ندية بين لبنان وسوريا.

رابعاً، استمرار النظام السوري في استخدام لبنان كورقة ضغط في لعبته الإقليمية، الأمر الذي يتجلى برفض تسليم الأمانة العامة للأمم المتحدة أي وثيقة رسمية من شأنها أن تشكل اعترافاً بلبنانية مزارع شبعا، ناهيك عن الإصرار على رفض ترسيم الحدود، إلى تلك اللحظة التي يخرج فيها الإسرائيلي من الجولان.

خامساً، إن النظام السوري لا يريد تواصلاً مؤسساتياً معه، بل هو يريد علاقة تبعية، وليس أدل على ذلك سوى قلب معطيات زيارة الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2005، بعيد تشكيله حكومة ما بعد الانتخابات النيابية، بحيث أدّت الى تأزم غير مسبوق في العلاقة بين البلدين.

إلا أنّ سياسياً لبنانياً مخضرماً، وعلى الرغم من تسليمه بأهمية احترام مشاعر اللبنانيين، فهو يدعو الى تقديم العقل على العواطف.

ويشير هذا السياسي، من ضمن هذا السياق، الى أن قيادات الرابع عشر من آذار، حين رشحت العماد ميشال سليمان على أساس أنه شخصية تتمتع بمواصفات وفاقية، كانت تُدرك أنه سيتعامل بإيجابية مطلقة مع القيادة السورية، ليس على اعتبار أن صلات جيدة تربط سليمان بالأسد منذ وصوله الى قيادة الجيش في العام 1998 فحسب، بل أيضاً على أساس أن الفئات اللبنانية الأخرى في البلاد لا تقبل بإضفاء صفة توافقي على أي شخصية تمانع في إقامة علاقات ممتازة مع دمشق، وتالياً يصبح من المنطقي بل من البديهي، والحالة هذه، أن يتواصل سليمان مع الأسد وأن يتغاضى عن بعض السلوكيات السورية "الفوقية" التي هي بالنتيجة مجرد تعويض أسدي على إطلالاته التنازلية في الملف اللبناني في فرنسا، إذ أن الرئيس نيكولا ساركوزي، وبغض النظر عن الأسباب العميقة التي جعلته ينفتح على الأسد ومنها "التمني الإسرائيلي"، أصرّ على تصوير قبوله بالأسد بأنه يأتي من منطلق "تراجع" الأسد في الملف اللبناني، بدءاً بتسهيله الآنتخابات الرئاسية في لبنان، في ضوء اتفاق الدوحة، وأن استمراره في عملية الانفتاح منوطة بمواصلة الأسد "الدفع" في لبنان، بحيث بدت زيارة ساركوزي المقبلة لدمشق مرتبطة جوهرياً بوعد الأسد "القاطع" بإقامة تبادل ديبلوماسي بين لبنان وسوريا.

ويقول السياسي نفسه إن أي قيادي لبناني حكيم لا يمكن أن يفكر لوهلة واحدة بأن يدير رئيس لبنان علاقات باردة مع الرئيس السوري، لا بل إن أحد كبار مؤيدي النهج الاستقلالي عن سوريا في لبنان، وهو السفير السابق جوني عبدو، كان يكرر دائماً أنه لا يصلح لمنصب رئيس الجمهورية حالياً لأن أول المطلوب منه أن يقيم علاقة بالنظام السوري، ولذلك كان يدعو الى اختيار شخصية توافقية قادرة على إدارة ملف العلاقة المباشرة مع دمشق، وهو كان يعتبر أن هذه الشخصية من الأفضل ألا تكون من تلك التي يؤدي اجتماعها بالأسد الى اتهامها بالخيانة.

ومع ذلك يعتبر مراقبون كثر، تابعوا زيارة سليمان الباريسية عن كثب سواء من العاصمة الفرنسية أم من العاصمة اللبنانية، أن الرئيس اللبناني الجديد برع في إدارة الملف، فهو الى جانب لياقته في التعامل مع الأسد ـ كما مع سائر الرؤساء الذين التقاهم ـ حافظ على مسافة في المواضيع، بحيث تجاهل، من جهة أولى، الرد على الأسئلة التي كان تهدف الى إظهاره مكبراً لصوت النظام السوري، ليشدد، من جهة ثانية، على الحقوق اللبنانية حين تكلم علناً وبثقة على وجوب إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين، وحين أصرّ على وجوب ترسيم مزارع شبعا لتسريع مسار تحريرها الذي انطلق واقعياً، وحين فاتح نظيره السوري بملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية متجاوزاً الإجابات السورية الكلاسيكية، وحين صافح بحرارة، وبصورة علنية، شخصيات لبنانية يُعاديها النظام السوري، ومن ثم أصرّ على الاجتماع بها على حدة في مقر إقامته، على الرغم من "جواسيس الأسد"، كما هي الحال مع السفير السابق جوني عبدو الذي كان "طقم الوصاية" كلما أراد أن يسترضي المخابرات السورية يُقدم على مهاجمته.
ولعلّ هذه السلوكية "السليمانية"، هي التي جعلت الأسد المبتسم ظاهرياً يُعرب عن غيظه المكبوت، بتصرفات لا تليق بالرؤساء حين أقدم على إبقاء النائب السابق ميشال سماحة في مجلسه لدى استقباله الرئيس اللبناني.

ولا يشكل هذا السلوك الأسدي مجرد خرق للبروتوكول في التعامل مع الرؤساء، بل هو يتعداه الى إبلاغ سليمان قبل اللبنانيين رسالة مفادها أن سوريا ـ الأسد لا تقيم كبير اعتبار للرؤساء اللبنانيين لأنهم رؤساء، بل هي تقدّم على شاغلي المناصب الدستورية مهما علت أولئك الذين يُؤدون لها "خدمات".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل