#adsense

منطق الإيجابية الحريرية

حجم الخط

منطق الإيجابية الحريرية

"يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"
المتنبي

هناك نادرة ما زلت أذكرها من درس القراءة في المرحلة الابتدائية في المدرسة، هذه النادرة تتحدث عن حريق هائل شب في غابة أخذ يلتهم الشجر الكبير والصغير، وفي ظل هذا الأتون كانت عظاة تنقل عيدان الخشب اليابس لترميها في النار لتزيدها اتقاداً في حين أن يمامة كانت تطير حاملة في منقارها بضع قطرات من الماء لترميها فوق النار لتخفّف من اشتعالها، والواقع هو أنه لا العظاة زادت النار ضرامة ولا اليمامة أطفأتها ولكن لكل منهما طباعه.

"تمنيت على الرئيس فؤاد السنيورة القبول بتوزير علي قانصوه من أجل مصلحة البلد والعهد الجديد"، بهذه الكلمات خرج سعد رفيق الحريري بعد اجتماعه بالرئيس المكلّف ليفتح الباب أمام تأليف أول حكومة في عهد الرئيس ميشال سليمان، وكان قد سبق هذه الخطوة إعلان الدكتور غطاس خوري تنازله عن الترشيح لمنصب وزاري لمصلحة قوى 14 آذار، وجملة من التسويات أتت بمجملها على حساب توزير نواب وناشطي تيار المستقبل.
أتت كل هذه الخطوات في سبيل تفكيك ألغام إقليمية هدفت الى إعادة النظام السوري الى قلب مسألة تأليف الحكومة من خلال طرح توزير علي قانصوه. والمعادلة هنا سيف ذو حدين، ففي حال قبلت قوى الأكثرية بتوزيره حسبت المسألة هزيمة معنوية لها، وإن أصرّت على رفضه فالتسوية كانت ستأتي على يد بشار الأسد من خلال وساطة الرئيس نيكولا ساركوزي خلال لقاء باريس، وهذا يعني عملياً تسليفة جديدة للبنان وللمجتمع الدولي يفرضها النظام من خلال أدواته.

والواقع هو أن سعد الحريري اختار تجاوز مسألة توزير قانصوه ليقطع الطريق على المناورات السورية من جهة، ودعم رئاسة الجمهورية بتأليف الحكومة بحيث يذهب الرئيس الى فرنسا وقد استكملت المواقع الدستورية فيه حتى لا تكون هذه النقطة مفتاحاً للابتزاز أو الاستقواء أو الاستعلاء على رئاسة لبنان.

وبالعودة الى الاخراج النهائي لهذه الحكومة نرى أن التسويات أتت بشكل شبه كامل على حساب تيار المستقبل من الناحية العددية، فلو تمسك رئيسه سعد الحريري بمبدأ التمثيل النسبي لكانت حصته المنطقية على الأقل نصف حِصة قوى 14 آذار، أي ثمانية وزراء، ولكن وفي المحصلة فقد اقتصرت المسألة على توزير السيدة بهية الحريري من نواب هذا التيار.

لقد فضل سعد الحريري انتهاج مسار والده الشهيد في ادارة الأزمة بمنطق الايجابية المطلقة من خلال حرمان أقرب المحازبين في تيار المستقبل حق التوزير لمصلحة تمثيل أفعل لمسيحيي قوى 14 آذار من جهة وللقوى المستقلة من جهة أخرى.

لا شك في ان هذا المنهاج في معالجة مسألة تأليف هذه الحكومة قد يلقي بظلاله على قيادات تيار المستقبل، ولا شك أيضاً ان بعض التململات قد تحدث بسبب حرمان نواب ومحازبي التيار "نعمة" التوزير. ولكن سعد الحريري، وبنفس الروحية المنفتحة سوف يتمكن من لملمة التململات والتساؤلات. فالأهم من توزير المحازبين في هذه الحكومة، أو في أية حكومة أخرى، هو دعم قضية 14 آذار وإظهارها كما هي على حقيقتها تيارا شعبيا ونخبويا عريضا قادرا على جمع اللبنانيين، والمحازبين والمستقلين، في إطار منطق الحفاظ على الوطن والحرية والتعددية وعلى منطق مرجعية الدولة في ظل تداول السلطات ديموقراطياً. كما ان ما يجمع هذه القوى هو رفض فرض خيارات قسرية على مكونات المجتمع اللبناني خاصة تلك المرتبطة بشهوات سلطوية اقليمية وأحلام كارثية ماورائية.

لذلك فإن خِيار سعد الحريري، وإن ظهر على أنه من قبيل التضحية والانكسار، ولكن مفاعيله ظهرت مباشرة من خلال تأليف الحكومة ووضع لبنان من جديد، ولأول مرة منذ سنوات تحت إدارة متوازنة ودستورية.

أما المفاعيل غير المباشرة والتي قد تكون أكثر أهمية، فستظهر من خلال ترسيخ صلابة قوى 14 آذار وتوسيع أطرها من خلال افساح المجال لمن كانوا يحسبون أنفسهم في موقع المستقلين لأن يكون في صلب مفاعيل ثورة الأرز.

لا تزال المنطقة، ولبنان من ضمنها، تنتظر الكثير من الأحداث الكبرى ابتداء بالمحكمة الدولية الى مسار السلام السوري ـ الإسرائيلي الى المسار النووي الإيراني مما يجعل الوضع مفتوحاً للتأثر بشكل عميق مع هذه المفاعيل، وهذا ما يضع وحدة ومناعة وتوسـّع قاعدة 14 آذار أهم بكثير من حسابات الربح والخَسارة الفردية والمناطقية، وهذا التوجه يحتاج الى أسراب يمام تحمل بمناقيرها الماء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل