تصحيح التاريخ
ليست انغيلا ميركل وحدها التي تريد ان ترى الآن أفعالا بعد "الكلام الكثير المتبادل حول الاتفاق على اقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا"، بل كل الذين حضروا قمة "الاتحاد من اجل المتوسط" وفي مقدمهم فرنسا بالطبع، اضافة الى دول الجامعة العربية التي طالما شكّلت "العلاقات" اللبنانية – السورية احد ملفاتها الدائمة.
والحديث عن قيام هذه العلاقات لا يشكل اعلانا تاريخيا فحسب، كما قال الرئيس نيكولا ساركوزي، بل ايضا "حركة تصحيحية" لتاريخ ملتبس من علاقات البلدين بعد اكثر من 65 عاما على استقلالهما.
وقد كان لبنان يطالب دوما بقيام هذه العلاقات وتبادل السفراء بين البلدين الشقيقين، ولكن هذا الامر لم يتم، لا بل انه شكّل في وقت من الاوقات نوعا من "الشطط" اللبناني الذي يستدعي من سوريا العتب او الغضب احيانا ليس لان "العلاقات المميزة" بين البلدين هي ارقى من التبادل الديبلوماسي كما تردد في دمشق، بل لاننا "شعب واحد في دولتين"، والشعب الواحد لا يحتاج الى تبادل للسفراء !
❒❒❒
في الواقع، لقد شاء التاريخ ان يكرر نفسه ولو في شكل معكوس بعد 88 عاما. ففي اول ايلول من عام 1920 اعلن الجنرال غورو قيام "دولة لبنان الكبير" من مقر الانتداب في السرايا الحكومية، وهو ما اعتُبر في دمشق تكريسا لـ"مؤامرة" سايكس – بيكو التي "سلخت" لبنان عن سوريا، كما تؤمن بعض الايديولوجيات السورية. وفي 12 تموز من هذه السنة اعلنت القمة الرباعية التي جمعت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والرئيسين اللبناني ميشال سليمان والسوري بشار الاسد وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، القرار بالتبادل الديبلوماسي، وهو ما اعتبر تاريخيا، لانه شكّل اول اعتراف سوري من منصة دولية بشرعية استقلال لبنان.
واذا كانت ايديولوجيات حزب "البعث" في سوريا قد نظرت دائما الى اتفاق سايكس – بيكو على انه مؤامرة يجب اسقاطها، فان ذلك عمّق الاحاسيس المتناقضة بين فئات واسعة في البلدين.
ففي دمشق ظل هناك دائما من يريد "تصحيح الامور" بالنظر الى لبنان كجزء يجب ان يعود الى سوريا. اما في بيروت فقد ظل هناك دائما من يريد ان يمهر "العلاقات الاخوية" بختم الاعتراف بالشرعية الاستقلالية وبالتبادل الديبلوماسي.
❒❒❒
اننا اذاً امام تاريخ من التباس المشاعر والعلاقات، وهو ما يستدعي النظر الى القرار المعلن في باريس من منطلق الحاجة الفعلية الى ازالة الرواسب التاريخية التي شابت هذه العلاقات. فاذا كانت سوريا قد تعودت لعب دور "الاخ الاكبر"، وهو امر تكرس عمليا بالوصاية او بالادارة التي استمرت قرابة ثلاثة عقود، فان التحدث الآن ان يحل شعور الندية والمساواة محل شعور المونة المكتسبة والتوجيه الضروري، بحيث يصبح النظر سيكولوجيا عند المواطنين السوريين الى لبنان كالنظر الى العراق او الكويت او قطر.
واذا كان لبنان في بعض فئاته الطائفية او السياسية والحزبية، قد أنس واطمأن الى دور "الاخ الاكبر" الذي يوجه ويملك الوسائل الناجعة في الثواب والعقاب، بينما في فئاته الاخرى امتلك حساسية مفرطة ضد البصمات السورية، ووصل الامر الى حد العداء التلقائي، فإن التحدي الآن يبدو مضاعفا عند اللبنانيين.
لماذا؟
لان المطلوب ان يتفاهم اللبنانيون في ما بينهم على القواعد والاسس الضرورية لقيام علاقات منفتحة وصريحة، طبيعية وخالية من المحاذير والاحاسيس المكتومة، بحيث يصبح النظر سيكولوجيا عند المواطنين اللبنانيين الى سوريا كالنظر الى مصر او دولة الامارات او المملكة العربية السعودية.
على قاعدة تصحيح مفاهيم العلاقات بين البلدين الشقيقين وتنقية المشاعر من الترسبات والضغائن والحساسيات كما من الاطماع والاستعلاء والرغبة في الاستتباع، يمكن ان يبدأ تاريخ جديد واضح ثابت ومستقر بين البلدين.
❒❒❒
وفي الواقع قد يرى البعض الآن ان سوريا ليست في حاجة الى سفير وسفارة في بيروت، لان عندها بحكم المسار السابق للعلاقات دزينة او دزينتين واكثر من "السفراء" ومن "السفارات". والناطقون بلسانها كثر الى درجة انها قد تكون تعبت او يجب ان تتعب لشدة حماستهم، وتناقضاتهم احيانا.
في اي حال نحن امام قرار تاريخي يقضي بإصلاح تاريخ كامل من العلاقات بين البلدين الشقيقين، بحيث يكتسب شعار "العلاقات المميزة" مغزاه الحقيقي الذي يليق بلبنان وسوريا. واذا كانت فرنسا لعبت دورا تاريخيا مرتين، الاولى مع الجنرال غورو والثانية مع الرئيس ساركوزي، فقد آن الاوان ليلعب اللبنانيون والسوريون دورهم التاريخي في صنع علاقة صحية اخوية بين بلديهما!